ما إن ينظر المرء بعين الباحث -لا السياسي المنتمي- لإشكالية المواجهات الإسلامية العلمانية، وذلك الاستقطاب الذي استغلته القوى الرافضة للديمقراطية والمعادية لها، ومتتالية صعود وانهيار الحالة الحوارية بين الطرفين، حتى يدرك فداحة المسؤولية المشتركة لطرفي العلاقة حيال عدم تقدم أوطاننا؛ سواء على مستوى الإسلاميين أو العلمانيين.
لكن المسؤولية ليست الجانب الوحيد الذي أريد طرحه هاهنا بل لابد من الإشارة لمراجعات الحالة العلمانية نفسها لنفسها، واضطراب اليقين حول العلمانية كعلاج اجتماعي ناجح؛ سواء في الغرب أو في أوطاننا.
وليست المراجعات أيضا هي منتهى حديثنا. وإنما أرغب في الإفادة من مراجعات مواقف الإسلاميين والعلمانيين بالإضافة لمراجعة الفلاسفة الليبراليين لمفهوم العلمانية في إعادة طرح المفهوم من جديد كمدخل لإصلاح الحالة المصرية.
أولا: مسؤوليات الطرفين عن الإشكال وتراجع الحوار:
ليس في الإمكان تحليل قضية بهذه الدرجة من الأهمية دون مناقشة المسؤوليات عما آلت إليه أحوال أوطاننا. ففيما يتعلق بمسئولية العلمانيين، أود الإشارة إلى أن مسؤولية الخطأ بصفة عامة موزعة على الطرفين، لكن مسؤولية تأسيس الخطأ تقع على عاتق الحالة العلمانية.
فالملاحظ أن الآباء المؤسسين لمشروع الإسلامية التجديدية (الطهطاوي– الأفغاني- محمد عبده) كانوا على وعي بأخطار أزمة الانكسار الحضاري وما يمكن أن تؤدي إليه من مغالاة في لغة الخطاب الإسلامي أو في بنيته (باعتبار هذا الخطاب مشروعا اجتهاديا)؛ ولذا كانت أطروحاتهم واضحة في طبيعة الدين وجوهره وأهميته، وكذا حيال القيمة المضافة التي يمكن الاستفادة فيها من الغرب، وقد أسس هذا المدخل لتيار وعي يتجاوز الحالة المنغلقة التي كانت تؤسس التجربة الوهابية القادمة من شبه الجزيرة لتوليدها داخل تيار الوعي الوطني والعربي بشكل عام.
ولاحقا تأسس خطاب جماعة الإخوان المسلمين في أواخر العشرينات، وهو الخطاب الذي قبلت مساحة عريضة من أطياف الحالة السياسية والثقافية آنذاك بأغلب مستوياته؛ وإن كانت قد خشيت من قوته السياسية بسبب القدرة التعبوية للحركة الناشئة. ولعل موقف زعيم الأمة المصرية تاريخيا: مصطفى النحاس باشا من ترشيح مؤسس جماعة الإخوان المسلمين ومرشدها الأول الأستاذ حسن البنا نفسه للانتخابات أكبر دليل على ذلك، حيث ساوم النحاس البنا على أن يتنازل عن ترشيح نفسه مقابل منحه حرية الدعوة لمنهجه، وهو ما قبله البنا. ويمكن فهم موقف النحاس في أنه يؤيد الخطاب لكنه لا يؤيد حدوث الشقاق في الأمة ما بين البنا وبين رمز وفدي كبير كان ينافسه، ولهذا اختار الحل الذي يحقق له المرادين معا: نشر الفكرة وانسحاب البنا.
كان المفهوم من خطاب البنا أن نصوص الوحي حافلة بمبادئ تتعاطى إيجابيا مع هموم الحالة العلمانية. فالشريعة ترفض تسلط رجال الدين، وترفض وجود كهنوت، فضلا عن أن تسمح بتسلطه السياسي والاجتماعي والاقتصادي. كما أنها تسوي بين المسلمين وغير المسلمين في حق الوطن. وتميز بينهم في حق كل طيف في الاحتكام لشريعته الخاصة. ولعل موقف مكرم عبيد من الجماعة كان بمثابة أيقونة للتفهم الكامل لخطاب الجماعة حيال الحالة القبطية.
كانت الساحة تموج آنذاك بخطابات متعددة أبرزها جماعة أنصار السنة التي كانت متأثرة بالطرح الوهابي، فضلا عن استمرارية الخطابين السلفي (غير الرسمي) والأزهري (شبه الرسمي والذي كان لا يزال يعاني تراجعا حادا). وكان من المتوقع، والحالة هذه، أن تلجأ الحركة العلمانية في مصر –كمثال– إلى التيار الوسطي وتتحالف معه، وتكمل معه المسيرة مع الحفاظ على المسافة النسبية بينهما، خاصة وأن ثمة مشروعات وافرة الحظ لتقاطع الخطابين حيال قضايا الوطن.
غير أن شريحة من الشباب الذي تتلمذ على يد الشيخ محمد عبده لم يلبث أن اتجه اتجاها قطعيا نحو استيراد مفهوم العلمانية بصيغته المعادية للدين وليس بصيغته المنادية بوجود محايد للدين في علاقته بالدولة، وقام هؤلاء بحمل مفاهيم آباء التوجه الفرنسي في إطاره العربي من زاوية استيراد العلمانية كسلامة موسى وشبلي شميل الذين طالب أحدهم صراحة في أحد كتبه باستيراد كل ما أنتجه الغرب حتى ولو كان قذى أمعائهم!!. وكان من المفهوم إلى حد ما أن يتجه مسيحيو العالم العربي من المثقفين هذه الوجهة المعادية للدين، وبخاصة أولئك الذين تربوا ثقافيا داخل المدرسة الفرنسية التي تطور شعارها الثوري الإجرائي لتصبح أيقونته الثقافية: "اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس". لكن آباء العلمانية المؤسسين من المسلمين نهجوا نفس المنهج من دون أن يتركوا بقية جسر يمكن معه ردم الفجوة الإسلامية العلمانية لصالح الوطن، ومن دون أن يبذلوا جهدا حقيقيا في محاولة تبيئة المفهوم وتسكينه ضمن تدفق تيار وعينا التاريخي وأولوياته وأجندته. إذ كانت الحداثة لا تتم بحسبهم، إلا من خلال القطيعة الكلية عن واقع ما قبل الحداثة.
نشأت المعركة، وتكرست معها الصورة السلبية للمطالب العلمانية التي لا يخلو جلها من وجاهة. وكانت من ثم الخسارة الكبيرة التي خسرها الوطن برهانه على وئام بين المشروعين الحداثي من ناحية والتجديدي الإسلامي من ناحية ثانية.
فباستثناء إقصاء الدين عن الحياة أو المجال العام أو الدولة، كانت جل مطالب الحركة العلمانية تحظى بالقبول، حيث التسوية المدنية والسياسية بين المنتمين للأديان المختلفة، وبخاصة مع وجود تيار يحاول تحقيق التماسك الإسلامي على حساب تباين العقيدة وتداعياته (جذور وإرهاصات التيارات الإسلامية الراديكالية). كما كان بت الصلة بين الدولة والدين مهما كأطروحة، تحول دون توظيفه سياسيا. وبالمثل كانت الحريات قضية مهمة تستحق وقفة تمنع من ترديها في قطاعات من الفكر الإسلامي إلى درجة ما حدث إبان أزمة "وليمة لأعشاب البحر" ومن قبلها أزمة نصر حامد أبو زيد وغيرهما من الأزمات، في الواقع كانت إجابات كل هذه الأسئلة وحلول كل هذه القضايا محملة في الدين ذاته؛ سواء أكان يحملها جلية بادية بنص ظني أو قاطع، أو كان يحملها ضمنا في مقتضيات النصوص. ولم تكن تنتظر سوى أرضية خصبة مواتية لحالة اجتهادية منتمية للوطن ولا تحمل هم الاستقطاب والصراع الذاتي الداخلي. وفيما كانت البقية متروكة للتفاوض الاجتماعي والسياسي الذي كان من المنتظر أن يكون المنهج الحاكم لإدارة خلافاتنا.
كان الإسلام مكونا قويا من مكونات وعي وثقافة الجماهير، وقد قضت الحركة العلمانية جل جهدها واستنفدت جل طاقتها في إقصائه عن المجال العام، دون محاولة الاستفادة من طاقته التعبوية الطوعية لا القسرية. ومن ناحية ثانية؛ بذل الإسلاميون وسعهم في أن ينبهوا الناس إلى أن هذا الإقصاء ليس من الإسلام في شئ، وأن بعض الأطروحات هي أطروحات تبعية وإلحاق. وفي كل الأحوال، استفادت نخبة الدولة الحديثة من هذا الخلاف في التثبيت لمكانها، وعمقت حدة الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين، وذلك حتى يتثنى لها التخلص من عملية بناء مجتمع مدني قوي يحد من مشروعها السلطوي. ولم يجد الطرفان: الإسلامي والعلماني فيما يحدث إلا متعة لا تدانيها متعة، فأمعنوا – كل طرف في خطابه واستقطابه – حتى ظهر خطر التطرف الإسلامي الذي كان مقتنعا بأن ما يصدر عن العلمانيين ليس إلا كفرا بواحا يتضمن قدرا هائلا من الافتراء على الدين.
والإشكال الأكبر، أن الحركة العلمانية لم تقم بتنقية ذاتها داخليا، واعتمدت على خطاب بعض الكتاب العلمانيين الذين حملوا خطابا مؤسفا، أساء للحالة العلمانية نفسها، وأسهم في تكريس وتعبئة الناس. وكان البديل هو اشتعال الحرب التي راح ضحيتها الوطن.
ب – المسؤولية الإسلامية: بيد أن المسؤولية لا تلقى على الطرف العلماني وحده، فقد سيطرت ذهنية الجهاد في صورته اللسانية على عقلية الإسلاميين خلال الفترة من نهاية الأربعينات وحتى منتصف التسعينات من القرن الماضي. وبينما لا يزال حمائم الإسلاميين يحاولون تثبيت قدم المراجعة في الحوار الإسلامي العلماني نجد صقور الحركة، فضلا عن صقور عموم التيارات اليمينية الإسلامية، تقف على خط ملغوم تنتظر من يتطوع لإشعاله، وما أكثر المتطوعين المحتملين لإنجاز هذه المهمة؛ من أعداء الإصلاح في الداخل أو الخارج.
أيضا لم يحاول الإسلاميون أن يفرغوا عملية الاستقطاب السياسي من محتواها الصراعي باتجاه الوصول لحل فيه مصلحة الوطن. ذلك أن العملية الحوارية الوطنية لم يكن لها أن تتم إلا وفق اعتبار أن مفهوم العلمانية مفهوم اجتماعي، يقوم على اجتهاد صاغه مجتمع من المجتمعات لمواجهة أزمته التاريخية، وأن لدينا أزمتنا الخاصة التي يمكن في إطارها "كإسلاميين" أن نفيد من تجديد المفهوم، بدلا من التناحر حوله.
ولم يتصور الإسلاميون أيضا مثل هذا المفهوم خارج دائرة الكفر أو الموقف السلبي من الدين. وتلك كانت نفس المشكلة التي حكمت مخاوف العلمانيين من احتمالات الاستبداد باسم الدين. ومن ثم أدت ذهنية القتال التي حكمت الإسلاميين لإلغاء الحساسية حيال المصطلح وحيال ظرفه التاريخي ودلالة نسبية هذا الظرف، ودلالة هذه النسبية في إمكان تجديد المفهوم أو توطينه وتبيئته.
والتساؤل الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا يمكن لبعض المفاهيم أن تكون محل مراجعة وتقدير لخصوصيتنا في إطارها، بينما البعض الآخر أبعد ما يمكن عن احتمالات المراجعة والتطوير وتقدير اعتبارات الخصوصية فيه؟!. سيحار الباحثون المدققون في الإجابة عن مثل هذا التساؤل، غير أن هذه الحرية لم تمنع من قيام بعض الوطنيين المخلصين بتقديم رؤى تآمرية مفادها أن بعض الحكومات العربية الداخلية والخارجية تتلاعب بالقوى السياسية وصراعاتها الثقافية والسياسية لأجل ضمان استقرارها. بالإضافة إلى سعي بعض الأنظمة لاكتساب شرعية دينية عن طريق جهود تأجيج هذه المواجهات بين العلمانية والإسلام.
ولأن الحالتين الثقافيتين العلمانية والإسلامية في مصر بخاصة وفي العالم العربي عامة ضد النظرية التآمرية؛ فإن مجموعة من الباحثين قد قاموا بتحويل مقولات نظريات المؤامرة هذه إلى فرضيات يتم اختبارها وفق المنهج العلمي، وثبت بالاختبار التجريبي العلمي أن هذه المقولات صحيحة. بل وقد أثبتت بعض الدراسات أن هذه الدول كانت تتدخل في بعض الأحيان لأجل اعتقال أحد الكوادر الإسلامية حين يصدر عنه بعض المقولات السياسية التي تقول بالتوافق والتحاور والتجديد، وعندما يصدر عنه من محبسه ما ينم عن التشدد كانت الحكومة تقوم بإخلاء سبيله وإطلاق حريته في التنقل والتعامل مع الصحافة (نموذج علي بلحاج في الجزائر وموقفه من مشروع الوئام الوطني).
بل إن بعض الدول كانت تستفيد من الخلاف الإسلامي العلماني في كبح جماح القوى التي كانت تدعو إلى التجديد والإصلاح والديمقراطية على اعتبار أن الديمقراطية كفر (ويمكن الوقوف على طبيعة هذا الخطاب بتحليل مضمون صحيفة المسلمون السعودية التي كانت تصدر من لندن في الثمانينات وتوقفت تحت ضغوط عربية وغربية). وقد اتسمت تلك الفترة بأن فقهاء السلطة كانوا يعدون الديمقراطية كفرا بواحا وخروجا سافرا على حاكمية الله كما حددتها آيات سورة المائدة الشريفة التي نرى أن علاقة الديمقراطية بها كانت اجتهادا خاطئا.
لم تقف الحركة الإسلامية هي أيضا وقفتها الصارمة، كما لم تحاول كسر حدة العزلة والمواجهة، واستبدالها بعلاقات شخصية بين النخب العلمانية والإسلامية؛ تكسر حدة الاستقطاب، وتكون أكثر قدرة على جعل الحوار منهج حياة، وجعل انفتاح الذهن والقبول الحسن للرأي الآخر في إطار الاستعداد للنظر فيه وليس تلفيقه بغرض التمزيق والرد.
ثانيا: مراجعات المشهد العلماني.. ودلالاتها:
لا يخفى على أحد أن حركات المراجعة التي تصدر عن قيادات جماعتي تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية المصريتين حيال موقفهما من منهج العنف في التغيير السياسي. كما لم يخف علينا أن الحركة الإسلامية الوسطية كانت أول الأطراف التي قامت بحركة مراجعة لأدبياتها، وعبر هذه الحركة من المراجعة أقرت كثيرا من أدبياتها السابقة، وعدلت عن شريحة من أفكارها وجعلتها نهبا للمراجعة، ونشرت ما روجع وما أُقر في مجموعة من الكتيبات.
ولا يخفى كذلك منهج الاستشارة الذي تنهجه جماعة الإخوان في تعاملها مع كثير من أطروحتها ومنها الأطروحة الحزبية الأخيرة التي نوهت إليها في يونيو 2007، ونشرت الصحف حيالها استشارتها لمجموعة من المفكرين حول بنود برنامجها وكان من بينهم المفكر القبطي الدكتور رفيق حبيب.
التوجه العلماني أيضا بدأ يعاني أعراض المرض الذي استوجب المراجعة. ويبدو أن شخصيتنا القومية لا تحفل كثيراً بالصدمات التي تعقب الصدامات وتصر على التصادم والمزيد منه، فهي شخصية تجيد التمترس خلف أية دروع معدنية أو مفاهيمية تساق إلينا من دون محاولة النظر في طبيعة هذه الدروع وخصائصها. وآية ذلك ما حدث إبان "أزمة الحجاب" التي أعقبت تصريحات وزير الثقافة المصري فاروق حسني في أوائل 2007. فهذه التصريحات أتت في توقيت كانت القوى السياسية فيه قد راكمت قدرا من الحوار ومحاولات استكشاف المصلحة الوطنية الحقيقية، ومحاولة إدراك العدو الحقيقي، عدو الديمقراطية والإصلاح وعدو الحريات، واجتمعت القوى السياسية بأكملها ضد مشروعات التوريث وتقييد الصحافة وتلجيم القضاء، وبدا للجميع أن مصر على وشك أن تبشر بحادث سعيد ناضج النتاج، وفجأة؛ عصفت تداعيات تصريحات وزير الثقافة المصري بتلك الآمال والأحلام، ووجدنا القوى الملتئمة الشمل تتبعثر قواها، وتخور وحدتها، وتتمزق كلمتها، وتتناثر كرامتها، وتضيع هيبة تجمعها وتكتلها، عند أقدام قضية أقل ما كان يمكن للعقلاء أن يقولوه حيالها بأنها تعد من قبيل الحرية الشخصية.
وبرغم أن عملية مراجعة الرؤية العلمانية قد بدأت في الغرب مبكرا على أيدي اليسار الجديد، إلا أن بدايات كسر جمود الموقف الفكري حيال العلمانية في عالمنا العربي ما صدر إلا عن الدكتور عبد الوهاب المسيري من خلال عملية إعادة تعريف للمفهوم وإعادة بناء النموذجين الإدراكي والتفسيري المرتبطان به وبحضوره في الوعي العربي.
تجاوز المسيري ثنائية العلمانية التي هي إما اللاديني Non Religious أو ضد الدين Anti Religious، وأعاد النظر للعلمانية باعتبارها نموذج حياتي يقوم على إحلال القوى المادية والطبيعية محل الإله في نموذجنا الإدراكي للحياة ومنهج تعاملنا معها. وكان طرح المسيري في نظر الكثيرين متطرفا في تصويره للعلمانية في المجتمع الغربي باعتبارها ضد الإنسان الذي يرونه حاضرا في الأسرة الغربية وفي الصداقة وفي مساحات كثيرة من العمل العام.. إلخ. غير أن هذه الراديكالية المسيرية حركت درجة من الوعي النقدي بين مجموعة من المفكرين العرب والمسلمين وغير المسلمين، وأنتجت حالة حوارية خرج منها مجموعة من العلماء والفلاسفة أمثال جون إسبوزيتو وجون كين وعزام التميمي وبيرفيز منصور، وغيرهم كثيرون، برؤية نقدية قوية للحالة العلمانية كان لابد لنا من وقفة معها. وقد نشرت هذه الأطروحات ضمن كتاب مشترك للمفكرين الخمسة؛ تحت عنوان: الإسلام والعلمانية في الشرق الأوسط، وتولى تحريره البروفيسور جون إسبوزيتو.
تقول الأطروحة الأساسية للمساهمات المتعددة في هذا الكتاب إن تيار العلمانية في بلدان الشرق الأوسط، وخاصة الدول العربية، يعاني انحسارا قويا لصالح التيار الإسلامي. وللتأسيس لهذه الأطروحة يقدم جون إسبوزيتو، بروفيسور الأديان والعلاقات الدولية في جامعة جورج تاون، استعراضا لوضع العلمانية في الشرق الأوسط في بدايات القرن الواحد والعشرين، يركز فيه على ما يراه تراجعا مستمرا للعلمانية، ليس فقط على مستوى الغالبية العامة عند الناس في المنطقة، بل وأيضا على مستوى النخب.
وقد ألمح إسبوزيتو لملاحظته أن النخب العلمانية الحاكمة في أكثر من بلد لم تستطع استيعاب هذا التراجع أو القبول به، مشيرا إلى أن السبب الأساسي وراء هذا التراجع وهو ما أسماه "العلمانية الأصولية"، والتي رأى أن مصدر تهديدها للعمانية كخيار ما تمثل في أنها لم تطرح العلمانية كخيار من الخيارات بل باعتبارها السبيل والخيار الأوحد الذي يجب أن تنهجه المجتمعات العربية والإسلامية.
ذلك أن النخب العلمانية الحاكمة لا تود أن تعترف بالتغيرات الاجتماعية والفكرية والسياسية الجذرية التي حدثت ولا تزال تحدث في داخل المجتمعات العربية وخارجها، حيث برزت التيارات الشعبية غير العلمانية وتحديدا الإسلامية، ولم تكن النخب العلمانية ترى وسيلة للتعامل مع هذه التغيرات إلا قطع الطريق عليها وقمعها.
والمفارقة الغريبة التي يلتفت إليها البروفيسور إسبوزيتو هى أن العلمانية في الشرق الأوسط صارت متلازمة مع الدكتاتورية؛ رغم أنها تنادي بالحرية والانفتاح والديمقراطية الليبرالية. ويضرب أمثلة على ذلك بتحالف الجيش وأجهزة الأمن مع النخب العلمانية الحاكمة لإحباط التحولات الديمقراطية، سواء فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، أو فوز حزب الرفاه في أكثرية المقاعد البرلمانية في تركيا وتسلم أربكان للوزارة، أو فوز حركة النهضة التونسية بعدد كبير من المقاعد في الانتخابات التونسية التي سبقت حل الحركة وإعلان الحرب عليها، أو لجوء الرئيس المصري للجيش عندما يشعر أن شرعيته وشعبيته في ترد مستمر.
ولم يلبث البروفيسور جون كين، أستاذ العلوم السياسية في جامعة وستمينستر، أن طرح سؤالا مثيرا لاستفزاز العلمانيين، وهو فيما إذا كانت العلمانية تحول دون حرية التفكير في الديمقراطية نفسها، وبأنها تحولت إلى دوجما سياسية؟! مصرحا بأنها تحمل تناقضات داخلية لا يمكن القفز عليها، رغم أنها لا تصل إلى حد إسقاطها من الداخل. أول هذه التناقضات دعوتها إلى حرية العبادة وحرية الاجتماع الديني، الذي يقود في نهاية المطاف، كما هو الحال الراهن، إلى زيادة رقعة الدين، والدعوات الدينية للتدخل في الشأن العام والسياسة باعتبار أن للدين دورا مهما يمكن أن يؤديه في السياسة.
ففي الوقت الذي لا تستطيع العلمانية فيه إلا أن تعترف وتسمح بحرية الأديان والممارسة الدينية، إلا أنها تعترف في المقابل بتناقض داخلي يعمل على تقويضها، حيث لا تستطيع أن تقف في وجهه، وإلا فقدت صفتها الليبرالية الأساسية. وثاني التناقضين يتمثل في ترافق "عدم اليقين الوجودي" مع العلمانية ليحل محل اليقين الديني عند الأفراد، مما لا يشبع التطلعات الإنسانية والروحية عند الناس خاصة في عالم مليء بالضغوط والتوترات يبحث فيه الأفراد عن سبيل الوصول إلى السكينة والراحة الخلاصية على المستوى الداخلي لهم، وحيث تبرز أهمية "التضامن الديني" بصفة خاصة.
وفي الإطار ذاته، أشار كين إلى تناقض داخلي آخر هو تقارب العلمانية مع الدكتاتورية تحت مسميات عديدة، ويضرب مثلا على ذلك ما حدث في تركيا، حيث تتحالف العلمانية مع الدكتاتورية العسكرية تحت مسميات حماية الدستور العلماني من تصاعد المد الإسلامي، وفي فرنسا على سبيل المثال تتحالف العلمانية مع ممارسات دكتاتورية مثل منع الحجاب أو التضييق على المسلمين تحت مسمى الاندماج أو محاربة التعددية الثقافية.
أما برفيز منصور، وهو كاتب وباحث إسلامي آسيوي، فيدعو إلى تفكيك "القداسة" عن العلمانية، ونقض الادعاء السائد بأنها موئل الحقيقة والعلم. مؤكدا ضرورة عدم التعامل مع العلمانية باعتبارها "نظرية كبرى" قادرة على تفسير كل الظواهر، أو جاهزة للتطبيق في كل مكان وزمان. وقد أشار في هذا السياق إلى أن من العبث اعتبار كل النقاش العلماني– الإسلامي وكأنه صراع بين قيم الإسلام الإيمانية ومنطلقات الحداثة العقلانية، أو بين رغبة الإسلام للتمكن والنظام العالمي المتمكن، يحاولا تقديم طرح إنساني فلسفي آني قوامه أن الصراع بين الإسلام والعلمانية هو صراع بين الإيمان بصورته الإسلامية الذي يجسد ما هو متجاوز، والافتراض العلماني الثيوقراطي بأن الحقيقة التامة قد تم الوصول إليها عبر افتراضات العلم التي لم تثبت صحتها بدرجة يقين عالية.
أما المسيري، فقد حدد ملامح العلمانية كمنهج حياة بأنه المنهج الذي تحل فيه المادة/الطبيعة محل الإله في المنظومة الثقافية التي تدير حياة العلماني ومجتمعه، ورأى أن هذه الرؤية بدأت بأيديولوجية مجدت الإنسان ودعت لوضعه وعقله في مركز إدارة المنظومات الاجتماعية والحياتية. بيد أنها في المقابل، طردت الإنسان كقيمة اجتماعية وعقل، وأحلت محله كل القوى المادية، مما أدى لمعاداة العلمانية للإنسان في النهاية، وعلى رأس هذه القوى السوق، التي حولت الإنسان لمستهلك، وقوى الربح التي حولته لسلعة تجارية؛ وهو ما عبر عنه المسيري بمصطلحي "التسلع أو التشيؤ" كدوال لغوية تعبر عن هذه الحالة من حالات الاغتراب نتيجة العلمنة المادية، وهناك أيضا قوى المصنع التي عصفت بالحقوق الأساسية للإنسان، سواء أكانت حقوقا اقتصادية أو اجتماعية، وثمة كذلك قوى السياسية التي عصفت مكيافيلليتها بالأخلاق.. إلخ.
إن مثل هذه الأطروحات قد قضت على المفهوم كمنتج فلسفي من ناحية، وأجهزت عليه كمفهوم اجتماعي يؤدي وظيفة اجتماعية/سياسية/ثقافية من ناحية ثانية. ذلك أن هذه المراجعات فرّغت مفهوم العلمانية من مضمونه تماما، حتى وإن أصر جون كين على موقفه القاضي بأن تناقضات المفهوم لا تؤدي لتقويضه.
وفي السياق ذاته تحدث الدكتور عبد العزيز صقر، عن أنماط علاقات الدين بالمجال العام؛ والخصوصيات الجغرافية التي ميزت الأجنحة القارية عن بعضها؛ وأسباب ذلك، ليخلص إلى القول إن المؤسسات الدينية لم تخرج يوما من دائرة المجال العام في القارات الأربع، بل لها علاقات وثيقة بشخوص ورموز المجال العام، ولن يكون مفاجأة أن نشير إلى أن الإدارة الأمريكية اليمينية استعانت بأشخاص كانوا ضمن بيروقراطية البيت الأبيض منذ أمد، بما يعني أن إبعاد الدين عن المجال العام كان من وجهة نظره مجرد أكذوبة.
وواقع الحال أن العلمانية كانت مفهوما أيديولوجيا برر إقصاء الكنيسة عن دائرة القرار الفرنسي في لحظة تاريخية معينة، لكن هذه اللحظة، لسبب ما أو لآخر، تمكنت من أن تتحول لمرجعية استعصت على السقوط بالتقادم. وحاليا يمكن القول إن ملامح المشهد الآنية تشي بأن مفهوم العلمانية قد جرى تفريغه من محتواه ومضمونه الفلسفي من جهة، والتاريخي الاجتماعي الوظيفي من جهة ثانية. وهو ما استدعى تطوير الاقتراب منه في بيئتنا العربية والإسلامية.
نحو اجتهاد جديد حيال مفهوم العلمانية:
إذا كانت شهادة الخبراء والمستشرقين أفادت بسوء حالة وضع العلمانية كمفهوم وكوظيفة اجتماعية في عالمنا العربي، من زاوية فشلها في التعاطي مع الإسلام كدين له خصائص متمايزة عن المسيحية وتمايز الخبرة الإسلامية عن نظيراتها الأوروبية في أواخر القرن 18 بصفة خاصة، مما يؤذن أنها كانت مصدرا لتبرير الاستبداد والالتفاف حول الديمقراطية، وبما أنها تحوي ضمنها التناقضات التي أدت بفقدان الثقة بدورها الاجتماعي، وما دامت الاتجاهات الفلسفية الحديثة ترفض التعاطي معها كنظرية شاملة، فإن كل هذه الاعتبارات تدعو للاحتجاج على تداول المفهوم بصورته التقليدية.
لم يكن بدعا أن تثور الحالة التركية في وجه المفهوم الذي أدى لتقويض الإرادة الشعبية التركية، وإن كانت نسبية ثورتها لاحتياجاتها المجتمعية لا يمكن مقارنتها باحتياجات العالم العربي الملحة والمصيرية لفصل الدولة وإبعادها عن الدين. فالحالة التركية تشهد مؤسسات محترمة إلى حد كبير، كما لا يجري التلاعب بها، إلا في أضيق الحدود، أما في عالمنا العربي فلا توجد مؤسسات قادرة على تجاوز حالة الشخصنة السياسية من جهة؛ كما أنها غير قادرة على مواجهة تغول السلطة التنفيذية على حساب باقي مؤسسات الدولة كلها من جهة ثانية، فلا أحكام قضائية يتوفر لها الاحترام الكافي، ولا شخصية تعلو على الفساد واحتمالات الرشوة، ولا يوجد جهاز للشرطة يمكن للمواطن الوثوق به بعد أن امتلأت مدونات المدونين العرب بأفلام التعذيب التي تجري وقائعها الحقيقية داخل أقسامه. ولا يمكن القول بأن إضافة الدين لمعادلة تمارس الدولة فيها هذا القدر من التغول يعد غبنا ليس للمجتمع السياسي أو المدني وحسب، بل غبنا لكل الشعب ولعموم الوطن إن لم يكن عبثا بهما معا.
لقد عانت المجتمعات العربية من تسلط الدولة على مجمل الحريات والحقوق السياسة في الوقت الذي تكتسب فيه شرعية دينية عبر بروز النخب الحاكمة في المناسبات الدينية والصلوات الأسبوعية، ويكفي أن مجرد تلقيب الرئيس السادات بلقب الرئيس المؤمن، كان بمثابة الشرعية التي مرر بها كثير من قرارات انفتاح السداح المداح، حسب تعبير أحمد بهاء الدين، ومن ثم تحصل بعض الأنظمة على الشرعية نتيجة حماية المؤسسات الدينية الرسمية وشبه الرسمية لشرعيتها ولمبررات استمرار نظامها.
كما أن القوى السياسية الحقيقية القادرة على تعبئة الشارع العربي خلف مشروعات الإصلاح يجري تدبير المحاكمات المختلفة لها دون أدلة، فضلا عن أن غالبية هذه المحاكمات تتم وفق إطار من اللجوء لقضاء استثنائي لا تتوفر له الحصانة اللازمة ليقوم شخوصه بالحكم وفق قواعد العدل والإنصاف أو القوانين السائدة، والأدهى والأمر أن الدولة تقوم بالتلاعب بالأطر القانونية كي لا يتمكن أحد من تعقب القرارات التي تتجاوز التعدي على الحقوق المدنية للمواطنين. وكان آخر هذه الأطر إيقاظ القانون النائم: قانون الصحافة؛ ومعاقبة الصحافيين في إطاره بتهم واهية واهنة وصلت عقوباتها حد السجن.
ومن ناحية ثانية، وفيما كانت الشعوب العربية تشهد تسلط الدولة على المؤسسة الدينية، كانت الدولة تعمل على توظيف المؤسسة الدينية لصالح إكساب قراراتها صفة شرعية. وقد نقلت الصحافة عن أحد المشايخ وقتها زلة لسان فيما يتعلق باتفاقية كامب ديفيد قال فيها: "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون"!!.
هذه الاعتبارات تدفع لمحاولة تقديم دعم الاجتهاد التركي الذي اعتبر أن العلمانية التي يؤمن بها هي تلك التي تعني "حياد الدولة حيال المعتقدات". إذ يمكن اعتبار التعريف اجتهادا حقيقيا مبنيا على احتياجات مجتمعية حقيقية ما دامت الدولة العربية تتسلط على المجتمع بدعم من شريحة من المؤسسة الدينية، وتضفي على قراراتها شرعية تمكنها من فرض سيطرتها والاستمرار في موقعها وتمارس أدوارا وصلت إلى حد إنكار الحريات الدينية، حيث سبق للدولة أن تدخلت لصيانة عمليات إكراه في التحول من دين لآخر، وضغطت على المؤسسة الدينية لكي توافق على رأيها. ومن ثم فالأخذ بهذا المبدأ يضمن تحرك مدني حقيقي للدولة، دون شرعية مغتصبة، ودون تبرير لقراراتها أو تغطية لأخطائها في حق الحياة المدنية والحريات.
كما أن هذا التعريف الجديد يحقق للطرف العلماني في السعي للإصلاح مجموعة من المكاسب التي فشل في تحصيلها، ذلك الفشل الذي حاول تجاوزه عبر إعلان مفهوم التعايش مع الدين. ومن هذه الحقوق نجد المواطنة، وحريات الاعتقاد والنشر والتعبير، وعدم استخدام الشعارات الدينية في الانتخابات، وهي كلها مكاسب يمكن نيلها لصالح مشروع الإصلاح من خلال التفاوض السياسي المشروع مع القوى الإسلامية، والتي ستحصل في المقابل على فرصة تحولها لحزب مدني معلن التمويل والبرامج والأعضاء، ما يعد في حد ذاته أكبر مكسب للمشروع الإصلاحي بمستوييه العلماني والإسلامي معا.
مثل هذا التفاوض سيكون بداية مميزة لبناء التوافق الذي تنشده مجتمعاتنا حول أولويات مشروع الإصلاح، وهو توافق ربما لا يمكن لأوطاننا تجاوز محنتها السياسية من دونه.


