يوميات مصري مخنوق..

إعادة تعريف العلمانية.. نحو مشروع توافق

(2008/4/25 - 04:30)
بقلم وسام فؤاد
وسام فؤاد


ما إن ينظر المرء بعين الباحث -لا السياسي المنتمي- لإشكالية المواجهات الإسلامية العلمانية، وذلك الاستقطاب الذي استغلته القوى الرافضة للديمقراطية والمعادية لها، ومتتالية صعود وانهيار الحالة الحوارية بين الطرفين، حتى يدرك فداحة المسؤولية المشتركة لطرفي العلاقة حيال عدم تقدم أوطاننا؛ سواء على مستوى الإسلاميين أو العلمانيين.

لكن المسؤولية ليست الجانب الوحيد الذي أريد طرحه هاهنا بل لابد من الإشارة لمراجعات الحالة العلمانية نفسها لنفسها، واضطراب اليقين حول العلمانية كعلاج اجتماعي ناجح؛ سواء في الغرب أو في أوطاننا.

وليست المراجعات أيضا هي منتهى حديثنا. وإنما أرغب في الإفادة من مراجعات مواقف الإسلاميين والعلمانيين بالإضافة لمراجعة الفلاسفة الليبراليين لمفهوم العلمانية في إعادة طرح المفهوم من جديد كمدخل لإصلاح الحالة المصرية.


أولا: مسؤوليات الطرفين عن الإشكال وتراجع الحوار:

ليس في الإمكان تحليل قضية بهذه الدرجة من الأهمية دون مناقشة المسؤوليات عما آلت إليه أحوال أوطاننا. ففيما يتعلق بمسئولية العلمانيين، أود الإشارة إلى أن مسؤولية الخطأ بصفة عامة موزعة على الطرفين، لكن مسؤولية تأسيس الخطأ تقع على عاتق الحالة العلمانية.

فالملاحظ أن الآباء المؤسسين لمشروع الإسلامية التجديدية (الطهطاوي– الأفغاني- محمد عبده) كانوا على وعي بأخطار أزمة الانكسار الحضاري وما يمكن أن تؤدي إليه من مغالاة في لغة الخطاب الإسلامي أو في بنيته (باعتبار هذا الخطاب مشروعا اجتهاديا)؛ ولذا كانت أطروحاتهم واضحة في طبيعة الدين وجوهره وأهميته، وكذا حيال القيمة المضافة التي يمكن الاستفادة فيها من الغرب، وقد أسس هذا المدخل لتيار وعي يتجاوز الحالة المنغلقة التي كانت تؤسس التجربة الوهابية القادمة من شبه الجزيرة لتوليدها داخل تيار الوعي الوطني والعربي بشكل عام.

ولاحقا تأسس خطاب جماعة الإخوان المسلمين في أواخر العشرينات، وهو الخطاب الذي قبلت مساحة عريضة من أطياف الحالة السياسية والثقافية آنذاك بأغلب مستوياته؛ وإن كانت قد خشيت من قوته السياسية بسبب القدرة التعبوية للحركة الناشئة. ولعل موقف زعيم الأمة المصرية تاريخيا: مصطفى النحاس باشا من ترشيح مؤسس جماعة الإخوان المسلمين ومرشدها الأول الأستاذ حسن البنا نفسه للانتخابات أكبر دليل على ذلك، حيث ساوم النحاس البنا على أن يتنازل عن ترشيح نفسه مقابل منحه حرية الدعوة لمنهجه، وهو ما قبله البنا. ويمكن فهم موقف النحاس في أنه يؤيد الخطاب لكنه لا يؤيد حدوث الشقاق في الأمة ما بين البنا وبين رمز وفدي كبير كان ينافسه، ولهذا اختار الحل الذي يحقق له المرادين معا: نشر الفكرة وانسحاب البنا.

كان المفهوم من خطاب البنا أن نصوص الوحي حافلة بمبادئ تتعاطى إيجابيا مع هموم الحالة العلمانية. فالشريعة ترفض تسلط رجال الدين، وترفض وجود كهنوت، فضلا عن أن تسمح بتسلطه السياسي والاجتماعي والاقتصادي. كما أنها تسوي بين المسلمين وغير المسلمين في حق الوطن. وتميز بينهم في حق كل طيف في الاحتكام لشريعته الخاصة. ولعل موقف مكرم عبيد من الجماعة كان بمثابة أيقونة للتفهم الكامل لخطاب الجماعة حيال الحالة القبطية.

كانت الساحة تموج آنذاك بخطابات متعددة أبرزها جماعة أنصار السنة التي كانت متأثرة بالطرح الوهابي، فضلا عن استمرارية الخطابين السلفي (غير الرسمي) والأزهري (شبه الرسمي والذي كان لا يزال يعاني تراجعا حادا). وكان من المتوقع، والحالة هذه، أن تلجأ الحركة العلمانية في مصر –كمثال– إلى التيار الوسطي وتتحالف معه، وتكمل معه المسيرة مع الحفاظ على المسافة النسبية بينهما، خاصة وأن ثمة مشروعات وافرة الحظ لتقاطع الخطابين حيال قضايا الوطن.

غير أن شريحة من الشباب الذي تتلمذ على يد الشيخ محمد عبده لم يلبث أن اتجه اتجاها قطعيا نحو استيراد مفهوم العلمانية بصيغته المعادية للدين وليس بصيغته المنادية بوجود محايد للدين في علاقته بالدولة، وقام هؤلاء بحمل مفاهيم آباء التوجه الفرنسي في إطاره العربي من زاوية استيراد العلمانية كسلامة موسى وشبلي شميل الذين طالب أحدهم صراحة في أحد كتبه باستيراد كل ما أنتجه الغرب حتى ولو كان قذى أمعائهم!!. وكان من المفهوم إلى حد ما أن يتجه مسيحيو العالم العربي من المثقفين هذه الوجهة المعادية للدين، وبخاصة أولئك الذين تربوا ثقافيا داخل المدرسة الفرنسية التي تطور شعارها الثوري الإجرائي لتصبح أيقونته الثقافية: "اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس". لكن آباء العلمانية المؤسسين من المسلمين نهجوا نفس المنهج من دون أن يتركوا بقية جسر يمكن معه ردم الفجوة الإسلامية العلمانية لصالح الوطن، ومن دون أن يبذلوا جهدا حقيقيا في محاولة تبيئة المفهوم وتسكينه ضمن تدفق تيار وعينا التاريخي وأولوياته وأجندته. إذ كانت الحداثة لا تتم بحسبهم، إلا من خلال القطيعة الكلية عن واقع ما قبل الحداثة.

نشأت المعركة، وتكرست معها الصورة السلبية للمطالب العلمانية التي لا يخلو جلها من وجاهة. وكانت من ثم الخسارة الكبيرة التي خسرها الوطن برهانه على وئام بين المشروعين الحداثي من ناحية والتجديدي الإسلامي من ناحية ثانية.

فباستثناء إقصاء الدين عن الحياة أو المجال العام أو الدولة، كانت جل مطالب الحركة العلمانية تحظى بالقبول، حيث التسوية المدنية والسياسية بين المنتمين للأديان المختلفة، وبخاصة مع وجود تيار يحاول تحقيق التماسك الإسلامي على حساب تباين العقيدة وتداعياته (جذور وإرهاصات التيارات الإسلامية الراديكالية). كما كان بت الصلة بين الدولة والدين مهما كأطروحة، تحول دون توظيفه سياسيا. وبالمثل كانت الحريات قضية مهمة تستحق وقفة تمنع من ترديها في قطاعات من الفكر الإسلامي إلى درجة ما حدث إبان أزمة "وليمة لأعشاب البحر" ومن قبلها أزمة نصر حامد أبو زيد وغيرهما من الأزمات، في الواقع كانت إجابات كل هذه الأسئلة وحلول كل هذه القضايا محملة في الدين ذاته؛ سواء أكان يحملها جلية بادية بنص ظني أو قاطع، أو كان يحملها ضمنا في مقتضيات النصوص. ولم تكن تنتظر سوى أرضية خصبة مواتية لحالة اجتهادية منتمية للوطن ولا تحمل هم الاستقطاب والصراع الذاتي الداخلي. وفيما كانت البقية متروكة للتفاوض الاجتماعي والسياسي الذي كان من المنتظر أن يكون المنهج الحاكم لإدارة خلافاتنا.

كان الإسلام مكونا قويا من مكونات وعي وثقافة الجماهير، وقد قضت الحركة العلمانية جل جهدها واستنفدت جل طاقتها في إقصائه عن المجال العام، دون محاولة الاستفادة من طاقته التعبوية الطوعية لا القسرية. ومن ناحية ثانية؛ بذل الإسلاميون وسعهم في أن ينبهوا الناس إلى أن هذا الإقصاء ليس من الإسلام في شئ، وأن بعض الأطروحات هي أطروحات تبعية وإلحاق. وفي كل الأحوال، استفادت نخبة الدولة الحديثة من هذا الخلاف في التثبيت لمكانها، وعمقت حدة الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين، وذلك حتى يتثنى لها التخلص من عملية بناء مجتمع مدني قوي يحد من مشروعها السلطوي. ولم يجد الطرفان: الإسلامي والعلماني فيما يحدث إلا متعة لا تدانيها متعة، فأمعنوا – كل طرف في خطابه واستقطابه – حتى ظهر خطر التطرف الإسلامي الذي كان مقتنعا بأن ما يصدر عن العلمانيين ليس إلا كفرا بواحا يتضمن قدرا هائلا من الافتراء على الدين.

والإشكال الأكبر، أن الحركة العلمانية لم تقم بتنقية ذاتها داخليا، واعتمدت على خطاب بعض الكتاب العلمانيين الذين حملوا خطابا مؤسفا، أساء للحالة العلمانية نفسها، وأسهم في تكريس وتعبئة الناس. وكان البديل هو اشتعال الحرب التي راح ضحيتها الوطن.

ب – المسؤولية الإسلامية: بيد أن المسؤولية لا تلقى على الطرف العلماني وحده، فقد سيطرت ذهنية الجهاد في صورته اللسانية على عقلية الإسلاميين خلال الفترة من نهاية الأربعينات وحتى منتصف التسعينات من القرن الماضي. وبينما لا يزال حمائم الإسلاميين يحاولون تثبيت قدم المراجعة في الحوار الإسلامي العلماني نجد صقور الحركة، فضلا عن صقور عموم التيارات اليمينية الإسلامية، تقف على خط ملغوم تنتظر من يتطوع لإشعاله، وما أكثر المتطوعين المحتملين لإنجاز هذه المهمة؛ من أعداء الإصلاح في الداخل أو الخارج.
أيضا لم يحاول الإسلاميون أن يفرغوا عملية الاستقطاب السياسي من محتواها الصراعي باتجاه الوصول لحل فيه مصلحة الوطن. ذلك أن العملية الحوارية الوطنية لم يكن لها أن تتم إلا وفق اعتبار أن مفهوم العلمانية مفهوم اجتماعي، يقوم على اجتهاد صاغه مجتمع من المجتمعات لمواجهة أزمته التاريخية، وأن لدينا أزمتنا الخاصة التي يمكن في إطارها "كإسلاميين" أن نفيد من تجديد المفهوم، بدلا من التناحر حوله.

ولم يتصور الإسلاميون أيضا مثل هذا المفهوم خارج دائرة الكفر أو الموقف السلبي من الدين. وتلك كانت نفس المشكلة التي حكمت مخاوف العلمانيين من احتمالات الاستبداد باسم الدين. ومن ثم أدت ذهنية القتال التي حكمت الإسلاميين لإلغاء الحساسية حيال المصطلح وحيال ظرفه التاريخي ودلالة نسبية هذا الظرف، ودلالة هذه النسبية في إمكان تجديد المفهوم أو توطينه وتبيئته.
والتساؤل الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا يمكن لبعض المفاهيم أن تكون محل مراجعة وتقدير لخصوصيتنا في إطارها، بينما البعض الآخر أبعد ما يمكن عن احتمالات المراجعة والتطوير وتقدير اعتبارات الخصوصية فيه؟!. سيحار الباحثون المدققون في الإجابة عن مثل هذا التساؤل، غير أن هذه الحرية لم تمنع من قيام بعض الوطنيين المخلصين بتقديم رؤى تآمرية مفادها أن بعض الحكومات العربية الداخلية والخارجية تتلاعب بالقوى السياسية وصراعاتها الثقافية والسياسية لأجل ضمان استقرارها. بالإضافة إلى سعي بعض الأنظمة لاكتساب شرعية دينية عن طريق جهود تأجيج هذه المواجهات بين العلمانية والإسلام.

ولأن الحالتين الثقافيتين العلمانية والإسلامية في مصر بخاصة وفي العالم العربي عامة ضد النظرية التآمرية؛ فإن مجموعة من الباحثين قد قاموا بتحويل مقولات نظريات المؤامرة هذه إلى فرضيات يتم اختبارها وفق المنهج العلمي، وثبت بالاختبار التجريبي العلمي أن هذه المقولات صحيحة. بل وقد أثبتت بعض الدراسات أن هذه الدول كانت تتدخل في بعض الأحيان لأجل اعتقال أحد الكوادر الإسلامية حين يصدر عنه بعض المقولات السياسية التي تقول بالتوافق والتحاور والتجديد، وعندما يصدر عنه من محبسه ما ينم عن التشدد كانت الحكومة تقوم بإخلاء سبيله وإطلاق حريته في التنقل والتعامل مع الصحافة (نموذج علي بلحاج في الجزائر وموقفه من مشروع الوئام الوطني).

بل إن بعض الدول كانت تستفيد من الخلاف الإسلامي العلماني في كبح جماح القوى التي كانت تدعو إلى التجديد والإصلاح والديمقراطية على اعتبار أن الديمقراطية كفر (ويمكن الوقوف على طبيعة هذا الخطاب بتحليل مضمون صحيفة المسلمون السعودية التي كانت تصدر من لندن في الثمانينات وتوقفت تحت ضغوط عربية وغربية). وقد اتسمت تلك الفترة بأن فقهاء السلطة كانوا يعدون الديمقراطية كفرا بواحا وخروجا سافرا على حاكمية الله كما حددتها آيات سورة المائدة الشريفة التي نرى أن علاقة الديمقراطية بها كانت اجتهادا خاطئا.

لم تقف الحركة الإسلامية هي أيضا وقفتها الصارمة، كما لم تحاول كسر حدة العزلة والمواجهة، واستبدالها بعلاقات شخصية بين النخب العلمانية والإسلامية؛ تكسر حدة الاستقطاب، وتكون أكثر قدرة على جعل الحوار منهج حياة، وجعل انفتاح الذهن والقبول الحسن للرأي الآخر في إطار الاستعداد للنظر فيه وليس تلفيقه بغرض التمزيق والرد.


ثانيا: مراجعات المشهد العلماني.. ودلالاتها:

لا يخفى على أحد أن حركات المراجعة التي تصدر عن قيادات جماعتي تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية المصريتين حيال موقفهما من منهج العنف في التغيير السياسي. كما لم يخف علينا أن الحركة الإسلامية الوسطية كانت أول الأطراف التي قامت بحركة مراجعة لأدبياتها، وعبر هذه الحركة من المراجعة أقرت كثيرا من أدبياتها السابقة، وعدلت عن شريحة من أفكارها وجعلتها نهبا للمراجعة، ونشرت ما روجع وما أُقر في مجموعة من الكتيبات.

ولا يخفى كذلك منهج الاستشارة الذي تنهجه جماعة الإخوان في تعاملها مع كثير من أطروحتها ومنها الأطروحة الحزبية الأخيرة التي نوهت إليها في يونيو 2007، ونشرت الصحف حيالها استشارتها لمجموعة من المفكرين حول بنود برنامجها وكان من بينهم المفكر القبطي الدكتور رفيق حبيب.

التوجه العلماني أيضا بدأ يعاني أعراض المرض الذي استوجب المراجعة. ويبدو أن شخصيتنا القومية لا  تحفل كثيراً بالصدمات التي تعقب الصدامات وتصر على التصادم والمزيد منه، فهي شخصية تجيد التمترس خلف أية دروع معدنية أو مفاهيمية تساق إلينا من دون محاولة النظر في طبيعة هذه الدروع وخصائصها. وآية ذلك ما حدث إبان "أزمة الحجاب" التي أعقبت تصريحات وزير الثقافة المصري فاروق حسني في أوائل 2007. فهذه التصريحات أتت في توقيت كانت القوى السياسية فيه قد راكمت قدرا من الحوار ومحاولات استكشاف المصلحة الوطنية الحقيقية، ومحاولة إدراك العدو الحقيقي، عدو الديمقراطية والإصلاح وعدو الحريات، واجتمعت القوى السياسية بأكملها ضد مشروعات التوريث وتقييد الصحافة وتلجيم القضاء، وبدا للجميع أن مصر على وشك أن تبشر بحادث سعيد ناضج النتاج، وفجأة؛ عصفت تداعيات تصريحات وزير الثقافة المصري بتلك الآمال والأحلام، ووجدنا القوى الملتئمة الشمل تتبعثر قواها، وتخور وحدتها، وتتمزق كلمتها، وتتناثر كرامتها، وتضيع هيبة تجمعها وتكتلها، عند أقدام قضية أقل ما كان يمكن للعقلاء أن يقولوه حيالها بأنها تعد من قبيل الحرية الشخصية.

وبرغم أن عملية مراجعة الرؤية العلمانية قد بدأت في الغرب مبكرا على أيدي اليسار الجديد، إلا أن بدايات كسر جمود الموقف الفكري حيال العلمانية في عالمنا العربي ما صدر إلا عن الدكتور عبد الوهاب المسيري من خلال عملية إعادة تعريف للمفهوم وإعادة بناء النموذجين الإدراكي والتفسيري المرتبطان به وبحضوره في الوعي العربي.

تجاوز المسيري ثنائية العلمانية التي هي إما اللاديني Non Religious أو ضد الدين Anti Religious، وأعاد النظر للعلمانية باعتبارها نموذج حياتي يقوم على إحلال القوى المادية والطبيعية محل الإله في نموذجنا الإدراكي للحياة ومنهج تعاملنا معها. وكان طرح المسيري في نظر الكثيرين متطرفا في تصويره للعلمانية في المجتمع الغربي باعتبارها ضد الإنسان الذي يرونه حاضرا في الأسرة الغربية وفي الصداقة وفي مساحات كثيرة من العمل العام.. إلخ. غير أن هذه الراديكالية المسيرية حركت درجة من الوعي النقدي بين مجموعة من المفكرين العرب والمسلمين وغير المسلمين، وأنتجت حالة حوارية خرج منها مجموعة من العلماء والفلاسفة أمثال جون إسبوزيتو وجون كين وعزام التميمي وبيرفيز منصور، وغيرهم كثيرون، برؤية نقدية قوية للحالة العلمانية كان لابد لنا من وقفة معها. وقد نشرت هذه الأطروحات ضمن كتاب مشترك للمفكرين الخمسة؛ تحت عنوان: الإسلام والعلمانية في الشرق الأوسط، وتولى تحريره البروفيسور جون إسبوزيتو.

تقول الأطروحة الأساسية للمساهمات المتعددة في هذا الكتاب إن تيار العلمانية في بلدان الشرق الأوسط، وخاصة الدول العربية، يعاني انحسارا قويا لصالح التيار الإسلامي. وللتأسيس لهذه الأطروحة يقدم جون إسبوزيتو، بروفيسور الأديان والعلاقات الدولية في جامعة جورج تاون، استعراضا لوضع العلمانية في الشرق الأوسط في بدايات القرن الواحد والعشرين، يركز فيه على ما يراه تراجعا مستمرا للعلمانية، ليس فقط على مستوى الغالبية العامة عند الناس في المنطقة، بل وأيضا على مستوى النخب.

وقد ألمح إسبوزيتو لملاحظته أن النخب العلمانية الحاكمة في أكثر من بلد لم تستطع استيعاب هذا التراجع أو القبول به، مشيرا إلى أن السبب الأساسي وراء هذا التراجع وهو ما أسماه "العلمانية الأصولية"، والتي رأى أن مصدر تهديدها للعمانية كخيار ما تمثل في أنها لم تطرح العلمانية كخيار من الخيارات بل باعتبارها السبيل والخيار الأوحد الذي يجب أن تنهجه المجتمعات العربية والإسلامية.

ذلك أن النخب العلمانية الحاكمة لا تود أن تعترف بالتغيرات الاجتماعية والفكرية والسياسية الجذرية التي حدثت ولا تزال تحدث في داخل المجتمعات العربية وخارجها، حيث برزت التيارات الشعبية غير العلمانية وتحديدا الإسلامية، ولم تكن النخب العلمانية ترى وسيلة للتعامل مع هذه التغيرات إلا قطع الطريق عليها وقمعها.

والمفارقة الغريبة التي يلتفت إليها البروفيسور إسبوزيتو هى أن العلمانية في الشرق الأوسط صارت متلازمة مع الدكتاتورية؛ رغم أنها تنادي بالحرية والانفتاح والديمقراطية الليبرالية. ويضرب أمثلة على ذلك بتحالف الجيش وأجهزة الأمن مع النخب العلمانية الحاكمة لإحباط التحولات الديمقراطية، سواء فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، أو فوز حزب الرفاه في أكثرية المقاعد البرلمانية في تركيا وتسلم أربكان للوزارة، أو فوز حركة النهضة التونسية بعدد كبير من المقاعد في الانتخابات التونسية التي سبقت حل الحركة وإعلان الحرب عليها، أو لجوء الرئيس المصري للجيش عندما يشعر أن شرعيته وشعبيته في ترد مستمر.

ولم يلبث البروفيسور جون كين، أستاذ العلوم السياسية في جامعة وستمينستر، أن طرح سؤالا مثيرا لاستفزاز العلمانيين، وهو فيما إذا كانت العلمانية تحول دون حرية التفكير في الديمقراطية نفسها، وبأنها تحولت إلى دوجما سياسية؟! مصرحا بأنها تحمل تناقضات داخلية لا يمكن القفز عليها، رغم أنها لا تصل إلى حد إسقاطها من الداخل. أول هذه التناقضات دعوتها إلى حرية العبادة وحرية الاجتماع الديني، الذي يقود في نهاية المطاف، كما هو الحال الراهن، إلى زيادة رقعة الدين، والدعوات الدينية للتدخل في الشأن العام والسياسة باعتبار أن للدين دورا مهما يمكن أن يؤديه في السياسة.
ففي الوقت الذي لا تستطيع العلمانية فيه إلا أن تعترف وتسمح بحرية الأديان والممارسة الدينية، إلا أنها تعترف في المقابل بتناقض داخلي يعمل على تقويضها، حيث لا تستطيع أن تقف في وجهه، وإلا فقدت صفتها الليبرالية الأساسية. وثاني التناقضين يتمثل في ترافق "عدم اليقين الوجودي" مع العلمانية ليحل محل اليقين الديني عند الأفراد، مما لا يشبع التطلعات الإنسانية والروحية عند الناس خاصة في عالم مليء بالضغوط والتوترات يبحث فيه الأفراد عن سبيل الوصول إلى السكينة والراحة الخلاصية على المستوى الداخلي لهم، وحيث تبرز أهمية "التضامن الديني" بصفة خاصة.
وفي الإطار ذاته، أشار كين إلى تناقض داخلي آخر هو تقارب العلمانية مع الدكتاتورية تحت مسميات عديدة، ويضرب مثلا على ذلك ما حدث في تركيا، حيث تتحالف العلمانية مع الدكتاتورية العسكرية تحت مسميات حماية الدستور العلماني من تصاعد المد الإسلامي، وفي فرنسا على سبيل المثال تتحالف العلمانية مع ممارسات دكتاتورية مثل منع الحجاب أو التضييق على المسلمين تحت مسمى الاندماج أو محاربة التعددية الثقافية.

أما برفيز منصور، وهو كاتب وباحث إسلامي آسيوي، فيدعو إلى تفكيك "القداسة" عن العلمانية، ونقض الادعاء السائد بأنها موئل الحقيقة والعلم. مؤكدا ضرورة عدم التعامل مع العلمانية باعتبارها "نظرية كبرى" قادرة على تفسير كل الظواهر، أو جاهزة للتطبيق في كل مكان وزمان. وقد أشار في هذا السياق إلى أن من العبث اعتبار كل النقاش العلماني– الإسلامي وكأنه صراع بين قيم الإسلام الإيمانية ومنطلقات الحداثة العقلانية، أو بين رغبة الإسلام للتمكن والنظام العالمي المتمكن، يحاولا تقديم طرح إنساني فلسفي آني قوامه أن الصراع بين الإسلام والعلمانية هو صراع بين الإيمان بصورته الإسلامية الذي يجسد ما هو متجاوز، والافتراض العلماني الثيوقراطي بأن الحقيقة التامة قد تم الوصول إليها عبر افتراضات العلم التي لم تثبت صحتها بدرجة يقين عالية.
أما المسيري، فقد حدد ملامح العلمانية كمنهج حياة بأنه المنهج الذي تحل فيه المادة/الطبيعة محل الإله في المنظومة الثقافية التي تدير حياة العلماني ومجتمعه، ورأى أن هذه الرؤية بدأت بأيديولوجية مجدت الإنسان ودعت لوضعه وعقله في مركز إدارة المنظومات الاجتماعية والحياتية. بيد أنها في المقابل، طردت الإنسان كقيمة اجتماعية وعقل، وأحلت محله كل القوى المادية، مما أدى لمعاداة العلمانية للإنسان في النهاية، وعلى رأس هذه القوى السوق، التي حولت الإنسان لمستهلك، وقوى الربح التي حولته لسلعة تجارية؛ وهو ما عبر عنه المسيري بمصطلحي "التسلع أو التشيؤ" كدوال لغوية تعبر عن هذه الحالة من حالات الاغتراب نتيجة العلمنة المادية، وهناك أيضا قوى المصنع التي عصفت بالحقوق الأساسية للإنسان، سواء أكانت حقوقا اقتصادية أو اجتماعية، وثمة كذلك قوى السياسية التي عصفت مكيافيلليتها بالأخلاق.. إلخ.

إن مثل هذه الأطروحات قد قضت على المفهوم كمنتج فلسفي من ناحية، وأجهزت عليه كمفهوم اجتماعي يؤدي وظيفة اجتماعية/سياسية/ثقافية من ناحية ثانية. ذلك أن هذه المراجعات فرّغت مفهوم العلمانية من مضمونه تماما، حتى وإن أصر جون كين على موقفه القاضي بأن تناقضات المفهوم لا تؤدي لتقويضه.

وفي السياق ذاته تحدث الدكتور عبد العزيز صقر، عن أنماط علاقات الدين بالمجال العام؛ والخصوصيات الجغرافية التي ميزت الأجنحة القارية عن بعضها؛ وأسباب ذلك، ليخلص إلى القول إن المؤسسات الدينية لم تخرج يوما من دائرة المجال العام في القارات الأربع، بل لها علاقات وثيقة بشخوص ورموز المجال العام، ولن يكون مفاجأة أن نشير إلى أن الإدارة الأمريكية اليمينية استعانت بأشخاص كانوا ضمن بيروقراطية البيت الأبيض منذ أمد، بما يعني أن إبعاد الدين عن المجال العام كان من وجهة نظره مجرد أكذوبة.

وواقع الحال أن العلمانية كانت مفهوما أيديولوجيا برر إقصاء الكنيسة عن دائرة القرار الفرنسي في لحظة تاريخية معينة، لكن هذه اللحظة، لسبب ما أو لآخر، تمكنت من أن تتحول لمرجعية استعصت على السقوط بالتقادم. وحاليا يمكن القول إن ملامح المشهد الآنية تشي بأن مفهوم العلمانية قد جرى تفريغه من محتواه ومضمونه الفلسفي من جهة، والتاريخي الاجتماعي الوظيفي من جهة ثانية. وهو ما استدعى تطوير الاقتراب منه في بيئتنا العربية والإسلامية.


نحو اجتهاد جديد حيال مفهوم العلمانية:

إذا كانت شهادة الخبراء والمستشرقين أفادت بسوء حالة وضع العلمانية كمفهوم وكوظيفة اجتماعية في عالمنا العربي، من زاوية فشلها في التعاطي مع الإسلام كدين له خصائص متمايزة عن المسيحية وتمايز الخبرة الإسلامية عن نظيراتها الأوروبية في أواخر القرن 18 بصفة خاصة، مما يؤذن أنها كانت مصدرا لتبرير الاستبداد والالتفاف حول الديمقراطية، وبما أنها تحوي ضمنها التناقضات التي أدت بفقدان الثقة بدورها الاجتماعي، وما دامت الاتجاهات الفلسفية الحديثة ترفض التعاطي معها كنظرية شاملة، فإن كل هذه الاعتبارات تدعو للاحتجاج على تداول المفهوم بصورته التقليدية.
لم يكن بدعا أن تثور الحالة التركية في وجه المفهوم الذي أدى لتقويض الإرادة الشعبية التركية، وإن كانت نسبية ثورتها لاحتياجاتها المجتمعية لا يمكن مقارنتها باحتياجات العالم العربي الملحة والمصيرية لفصل الدولة وإبعادها عن الدين. فالحالة التركية تشهد مؤسسات محترمة إلى حد كبير، كما لا يجري التلاعب بها، إلا في أضيق الحدود، أما في عالمنا العربي فلا توجد مؤسسات قادرة على تجاوز حالة الشخصنة السياسية من جهة؛ كما أنها غير قادرة على مواجهة تغول السلطة التنفيذية على حساب باقي مؤسسات الدولة كلها من جهة ثانية، فلا أحكام قضائية يتوفر لها الاحترام الكافي، ولا شخصية تعلو على الفساد واحتمالات الرشوة، ولا يوجد جهاز للشرطة يمكن للمواطن الوثوق به بعد أن امتلأت مدونات المدونين العرب بأفلام التعذيب التي تجري وقائعها الحقيقية داخل أقسامه. ولا يمكن القول بأن إضافة الدين لمعادلة تمارس الدولة فيها هذا القدر من التغول يعد غبنا ليس للمجتمع السياسي أو المدني وحسب، بل غبنا لكل الشعب ولعموم الوطن إن لم يكن عبثا بهما معا.
لقد عانت المجتمعات العربية من تسلط الدولة على مجمل الحريات والحقوق السياسة في الوقت الذي تكتسب فيه شرعية دينية عبر بروز النخب الحاكمة في المناسبات الدينية والصلوات الأسبوعية، ويكفي أن مجرد تلقيب الرئيس السادات بلقب الرئيس المؤمن، كان بمثابة الشرعية التي مرر بها كثير من قرارات انفتاح السداح المداح، حسب تعبير أحمد بهاء الدين، ومن ثم تحصل بعض الأنظمة على الشرعية نتيجة حماية المؤسسات الدينية الرسمية وشبه الرسمية لشرعيتها ولمبررات استمرار نظامها.

كما أن القوى السياسية الحقيقية القادرة على تعبئة الشارع العربي خلف مشروعات الإصلاح يجري تدبير المحاكمات المختلفة لها دون أدلة، فضلا عن أن غالبية هذه المحاكمات تتم وفق إطار من اللجوء لقضاء استثنائي لا تتوفر له الحصانة اللازمة ليقوم شخوصه بالحكم وفق قواعد العدل والإنصاف أو القوانين السائدة، والأدهى والأمر أن الدولة تقوم بالتلاعب بالأطر القانونية كي لا يتمكن أحد من تعقب القرارات التي تتجاوز التعدي على الحقوق المدنية للمواطنين. وكان آخر هذه الأطر إيقاظ القانون النائم: قانون الصحافة؛ ومعاقبة الصحافيين في إطاره بتهم واهية واهنة وصلت عقوباتها حد السجن.

ومن ناحية ثانية، وفيما كانت الشعوب العربية تشهد تسلط الدولة على المؤسسة الدينية، كانت الدولة تعمل على توظيف المؤسسة الدينية لصالح إكساب قراراتها صفة شرعية. وقد نقلت الصحافة عن أحد المشايخ وقتها زلة لسان فيما يتعلق باتفاقية كامب ديفيد قال فيها: "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون"!!.

هذه الاعتبارات تدفع لمحاولة تقديم دعم الاجتهاد التركي الذي اعتبر أن العلمانية التي يؤمن بها هي تلك التي تعني "حياد الدولة حيال المعتقدات". إذ يمكن اعتبار التعريف اجتهادا حقيقيا مبنيا على احتياجات مجتمعية حقيقية ما دامت الدولة العربية تتسلط على المجتمع بدعم من شريحة من المؤسسة الدينية، وتضفي على قراراتها شرعية تمكنها من فرض سيطرتها والاستمرار في موقعها وتمارس أدوارا وصلت إلى حد إنكار الحريات الدينية، حيث سبق للدولة أن تدخلت لصيانة عمليات إكراه في التحول من دين لآخر، وضغطت على المؤسسة الدينية لكي توافق على رأيها. ومن ثم فالأخذ بهذا المبدأ يضمن تحرك مدني حقيقي للدولة، دون شرعية مغتصبة، ودون تبرير لقراراتها أو تغطية لأخطائها في حق الحياة المدنية والحريات.

كما أن هذا التعريف الجديد يحقق للطرف العلماني في السعي للإصلاح مجموعة من المكاسب التي فشل في تحصيلها، ذلك الفشل الذي حاول تجاوزه عبر إعلان مفهوم التعايش مع الدين. ومن هذه الحقوق نجد المواطنة، وحريات الاعتقاد والنشر والتعبير، وعدم استخدام الشعارات الدينية في الانتخابات، وهي كلها مكاسب يمكن نيلها لصالح مشروع الإصلاح من خلال التفاوض السياسي المشروع مع القوى الإسلامية، والتي ستحصل في المقابل على فرصة تحولها لحزب مدني معلن التمويل والبرامج والأعضاء، ما يعد في حد ذاته أكبر مكسب للمشروع الإصلاحي بمستوييه العلماني والإسلامي معا.

مثل هذا التفاوض سيكون بداية مميزة لبناء التوافق الذي تنشده مجتمعاتنا حول أولويات مشروع الإصلاح، وهو توافق ربما لا يمكن لأوطاننا تجاوز محنتها السياسية من دونه.
التعليقات {2}
للتعليق

الشريعة وترشيد الإقصاء السياسي والثقافي.. ملامح منهج

(2007/7/15 - 04:00)
بقلم وسام فؤاد
وسام فؤاد

العنوان مستفز قليلا. فكل مهتم لأمر أمتنا – أيا كان تعريفنا لدائرة الهوية وإطارها الثقافي – يعرف أن الإقصاء عملية سياسية وثقافية بغيضة، تبدأ بحالة خلاف غير صحية، وتنتهي بنفي طرف من أطراف العملية الاجتماعية لوجود طرف آخر، ويصل الأمر بهذا المرض إلى أن يقوم الطرف القائم بالنفي بإنكار حقوق الطرف المنفي أو موضوع الإقصاء. وهذا النمط من أنماط نفي الحقوق يتراوح في راديكاليته ما بين الحرمان من حق الحياة نفسه ولا ينتهي بحرمانه من أبسط درجات الحقوق.

 

الإقصاء سنة فكرية أم عملية اجتماعية؟

لو سألنا عن إمكانية قبول التعامل مع الإقصاء كقيمة اجتماعية فإن الإجابة المطلقة ستكون بالنفي القاطع. ولكن. قبل التعامل المطلق مع هذا السؤال لابد لنا من وقفة حول إطار هذه القيمة بما قد يمكننا من التفصيل في بناء السؤال.

جوهر موضوع المقال يطرح علينا السؤال: هل يمكن أن تكون عملية الإقصاء هذه محل اعتبار يفضي بنا للحديث عن دفعها لحالة الاتزان؟ وقد راجعت نفسي مليا قبل طرح هذا السؤال، وانتهى بي الأمر إلى تذكر ما كان قد أفضى به إلينا أستاذنا الدكتور السيد عبد المطلب غانم – رئيس قسم العلوم السياسية السابق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة – حين كنا طلابا في الدراسات العليا لديه، حيث قال: لا يوجد فكر لا يستبعد (بمعنى الإقصاء)؛ واستدرك قائلا: الديمقراطية وحدها هي التي تبرر الاستبعاد. بعد سنوات رجعت لهذه المقولة وأحسست أنها تحتاج زيادة ربما نسيها أستاذنا، حيث أحسست أن التكملة الطبيعية لهذه الجملة هي أن الديمقراطية وحدها هي التي تبرر الاستبعاد بناء على مبررات تتمتع بدرجة قبول واسعة. وقبل ان يراجعني أحد فقد أحسست بأن التعبير واسع جدا على الممارسات الديمقراطية التي تستبعد وتنفي لاعتبارات غير مقبولة كمثل ما حدث ويحدث مع الفكر اليساري وفكر نسبية الهولوكوست وفكر الإسلام وثقافته. لكني وجدت أن هذا التعبير التبريري أفضل من تعبيرات أخرى أكثر إنسانية وانضباطا أحسست أننا بحاجة إليها ويمكن أن نعتبرها اجتهادات تجديدية من قبيل: أن الديمقراطية المرجوة هي وحدها التي تبرر الاستبعاد والإقصاء استنادا لشيوع روح إقصائية قوية في الفكر موضوع الإقصاء والاستبعاد.

أنا أقول هذا لا لكي نرشد عملية الإقصاء باتجاه قصره فقط على كل من تشيع في فكره روح وقيم إقصائية قوية، بل أقوله لكي ألفت النظر إلى أن الإقصاء قيمة بالغة السلبية وتضر بحيواتنا الاجتماعية، وإن اضطررنا إلى اللجوء إليها - باعتبارها جزءا من بنية أي فكر - فلنخضعها لعملية مراجعة قوية بحيث تصير آلية الإقصاء ملك لدائرة الهوية قاطبة (وطنية قطرية كانت أو قومية أو إسلامية) وليست ملكا لفصيل من الفصائل يمارس عبرها بدون ضابط هدمه لجهود الأمة النهضوية والإصلاحية.

وإلى جانب تنبيهي السابق أنبه أيضا الحالة السياسية الفصائلية في أمتنا إلى ضرورة مراجعة أدبيات اتجاهات فكرها، والقيام بعملية شهادة حقيقية ورصينة فيما يتعلق بحالة الإقصاء داخل هذه التيارات. ومرد ذلك التنبيه من وجهة نظري إلى أن الخاصية الإقصائية لعالم الأفكار في بيئتنا الثقافية هي أحد أسرار أزمة العقل الوطني القطري، والعربي القومي، والإسلامي، التي نكابدها، والتي نغض الطرف عنها حتى نفيق على حين غرة عندما تثار أزمة مثل أزمة رواية وليمة لأعشاب البحر في مصر 2003، أو أزمة الحجاب التي شهدتها مصر في نهاية عام 2006م، وغيرها كثير من الأزمات التي تشهدها دوائر هوياتنا المعتبرة.

فإذا ما كان الإقصاء خاصية من خواص العقل الجمعي العربي، أو إذا كان الاستبعاد كما قال أستاذنا خاصية من خواص أي حالة فكرية، فليس ثمة أقل من أن يسعى حكماؤنا – من كل التيارات – وفي كل دوائر هوياتنا المعتبرة - إلى ترشيد العملية الإقصائية إلى ذلك الحيز الذي لا يهدم ما نبني ولا يهدر ما نكتسب.

 

هل نحن بحاجة لترشيد الإقصاء؟

إذا كان من خواص الفكر – أي فكر – أن يقصي؛ حينذاك يمكننا الحديث عن إقصاء رشيد وإقصاء مريض. وأول المصادرات على هذه المقولة أن نقول وكيف نميز بين الإقصاء الرشيد وذاك غير الرشيد أو المريض؟ وما موقع معايير التمييز المنشودة على متصل الذاتية والموضوعية فيما يتعلق بكل اتجاه؟ وهل هناك من وسيلة لبناء معيار موضوعي للتمييز بين نوعي الإقصاء هذين؟ وقبل هذا وذاك؛ هل نحن نعاني أزمة إقصاء ونحتاج إلى معالجتها عبر "ترشيد عملية الإقصاء"؟

دعونا نتلمس بعض الاقتباسات التي توصف حقيقة المأساة الإقصائية التي نكابدها، حيث نجد بعضهم يقول: "نقصد بثقافة الإقصاء عدم رؤية الآخر، وعدم تقدير مواقفه وآرائه، والنظر إليه على أنه خائن وعميل، وأنه لا يملك رؤية لحلول أزمتنا، بل والنظر إليه على أنه يتاجر بقضايا أمته لمجد شخصي مع اتهام واضح في النيات، وينفيه أهل ثقافة الإقصاء وكأنه جرثومة يجب وأده واستئصاله". ونرى كاتب آخر يقول في الاستقصاء: "فلا أحد يريد أن يرى أحدا، أو يحاوره، أو يقبله، وكل يدعي العصمة والبراءة والكمال، والحل السحري لكل المشكلات، والويل كل الويل لكل من قدم فكرة أو وجهة نظر لا تروق لفلان أو علان، أو حزب، أو شريحة، أو تيار".

وبعض الاتجاهات في النظر لظاهرة الإقصاء ترى أن الإقصاء ثقافة، ويرى أن "من سمات هذه الثقافة أنها سريعة الغضب، وتتهم الآخرين في نياتهم، وترفض أي حق جاء به الآخر، وتشكك دوما في أفعال ومواقف الآخر، وترى نفسها أحق وأولى بالعمل من غيرها، بل ويسودها اعتبار الآخرين تجار سياسية يبحثون عن مصالحهم الذاتية ويهدرون المصالح العامة للأمة. ويتجمع أفراد هذه الثقافة على شكل شلل تتجادل وفق ثقافة التخوين والاستعداء والتشويه".

وبعض الاتجاهات المنضبطة في النظر لظاهرة الإقصاء ترى أن "كلمة الإقصاء قد تعني لغوياً الاستبعاد، لكنها لم تعد كذلك، في عصر صراع الهويات والعودة إلى أيديولوجيا السطو والاستيلاء بالقوة، فالإقصاء إعدام وحذف، خصوصاً عندما تُختزل الهوية في كونها مجرد النقيض للآخر الذي يهددها".

ويرى د. إبراهيم أبو جابر أن "سياسة الإقصاء هذه تعصف حالياً بالعالمين العربي والإسلامي (..)، وأنها مورست من قبل بأنواعها: الدينية والفكرية والسياسية والعائلية دونما استثناء، ولا تزال تمارس على مستوى الأفراد والحركات والمؤسسات". والأهم أن بعضها نمارسه نحن فيما بيننا، وبعضها يمارسه علينا الآخر الحضاري.

تلك هي أحاسيس الفرقاء على المستويات الذاتية؛ أو مستوى إدراكهم لمعنى الإقصاء. ودعونا نطلع على رأي خبير فيما فعله الإقصاء فعلا في مجهودنا الوطني. يقول الخبير السياسي الفلسطيني د. إبراهيم أبو جابر: "سياسة الإقصاء هذه إن استمرت فستكوي نارها تلك الأنظمة الوصية على الإقصاء والمتعهدة به خدمة لأسيادها في الغرب وداخل بلاد العرب والمسلمين، فالشعوب العربية والإسلامية تعرف تماماً الحريصين على مصالحهم دون غيرهم، تعرف المتآمرين من غيرهم، ممن نهبوا أو باعوا ثروات البلاد، لا بل وسمسروا على أنظمة عربية فأطاح الغير بها فعاثوا فيها قتلاً وتدميراً ونهباً وفساداً". ووصل التقدير بالمراقب هاني صلاح الدين ليبلور القضية في مصر بقوله: " كن فاسداً.. أو مداناً في محاكمة عسكرية".

ويضرب الدكتور سيد يوسف المثال بموقف البعض من "مبادرة سفر عمرو خالد للحوار بالدانمرك عقب أزمة الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، وكيف انهال بعض الناس لتخوينه ولاتهامه بأنه يعمل لرعاية مصالح الغرب وبدعم غربي، وتعدى الأمر إلى الطعن في شخص الرجل ودينه، والمطالبة بعدم الاستماع إليه نهائيا، وذلك كله من دون الاستماع إلى وجهة نظر الرجل وتفهم موقفه سواء اختلف معه المختلفون أم أيدوه".

ويصف الدكتور علي عبد العال العلاقة بين الجمهور والحكومة في مصر قائلا: "عانى المصريون كثيراً ــ خلال الأعوام الماضية ــ من وطأة "استبداد" سياسي و"قمع" أمني و"فساد" اجتماعي واقتصادي استشرى على جميع الأوساط ، و"قهر" و"تهميش" أو قل "إقصاء" للشريحة الكبرى من أبناء المجتمع. فكانت وظلت تدار الأمور في البلاد دون أن يعلم أبناؤها عنها شيء، أو حتى أن يكون من حقهم الاستفسار عن حقيقة ما يجري في بلادهم، حالهم كما قال القائل: "ويُقضى الأمرُ حين تغيب تيمُ ولا يُستشهدون وهم حضور".

أما عن الإقصاء العلماني للإسلاميين فحدث ولا حرج. ويحضرني موقف طريف عندما قام وزير الثقافة المصري بإثارة أزمة الحجاب في نهاية عام 2006، وذهب إلى إحدى الحفلات الخاصة بالفنانين المصريين، فإذا بفنانة تقول له: "الله عليك يا فاروق يا كايدهم"!؟. ولا يمكن إنكار العلاقة الإقصائية بين الإسلاميين وبعض فصائل اليسار، استنادا على رسوخ التصور القديم بكفر اليساريين.

ما سبق يمثل نماذج من إقصاء الحكومة للمعارضة ثم للشعب، وإقصاء الإسلاميين لبعضهم البعض، وإقصاء العلمانيين للإسلاميين والعكس، ثم إقصاءات تمارس عبر المستوى عبر القومي من الحكومات الأجنبية ضد قوى سياسية بعينها لدينا، والضحية بخاصة هم الإسلاميون أولا واليساريون ثانيا. والآن لدينا مشروع مؤسسة راند لقائمة الإسلاميين المعتدلين، وهو محاولة طريفة لإعادة المنطقة لأجواء الاستقطاب.

لقد وصلنا لحالة حرب الجميع ضد الجميع في بلادنا. فلا عجب إذا أن يتسلط أصحاب القوة (الثروة والسلطة) على الأفراد ولا يجدون من يردهم. ولا غرو في أن يتسلط الخارج علينا من الخارج فلا يجد لدينا مقاومة. فنحن لا وقت لدينا لتقدير مصالحنا لأننا منغمسون في سلسلة إقصائية لا تريد أن تتوقف، وكلما حاولنا وقفها تدخلت حكومة عربية أو أجنبية أو شركة متعدية الجنسية أو رأسمالي محلي ذو يد ملوثة، يتدخل أي من هؤلاء او تحالف من بينهم لمنح عجلة الإقصاء المرضي دفعة قوية جديدة. لكل هذا لابد من ترشيد ظاهرة الإقصاء.

 

الحركة الإسلامية ومعايير الإقصاء

إذا ما سلمنا بأن الإقصاء هو خاصية لكل فكر لا لأي تيار فكري أو ثقافي أو سياسي بعينه، فعندما أنظر - برؤيتي القاصرة - في الحركة الإسلامية أجد أن المشكلة الأساسية فيما يتعلق بالإقصاء تتمثل في أن الحركة الإسلامية وقعت في مأزق قادته حركة التقوي في مواجهة المشروع الاستعماري الغربي، حيث رأت الحركة الإسلامية التي قاومت الاستعمار أن أحد أوجه الصراع تتمثل في تقوية المناعة لدى الشخصية القومية ضد الاستعمار بالاستناد للعقيدة، لكي تدفع المسلمين للاعتزاز بثقافتهم وهويتهم التي كان الإسلام آنذاك المكون الرئيسي ذو الثقل الأكبر فيها.

وتطور الأمر بعد انشقاق حركة الإصلاح التي قادها أئمة الإصلاح؛ ومن بينهم الإمام محمد عبده في مصر، فاتخذ جناح من الإصلاحيين  - في مصر كمثال - منحى التقليد الأعمى للغرب وعلى رأسهم الأستاذ أحمد لطفي السيد، واتخذ جناح آخر رؤية سلفية وعلى رأسهم الشيخ رشيد رضا، واتخذ الجناح الثالث رؤية وسطية وكان على رأسهم العقاد ومحمد حسين هيكل. وفي هذا الإطار قامت الحركة الإسلامية المقاومة للاستعمار بمد التعريف الثقافي للمستعمر (الكفر) ليطال أولئك الإصلاحيين المستغربين، ومن هنا بدأت الوقيعة الوطنية التي نجد لها ما يبررها من تطرف المستغربين.

وبدلا من المراجعة، ومعاودة الإطلالة على التوجيهات الأصولية بالقرآن والسنة، وبدلا من معاودة قراءة فقه سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، استمرت الحركة الإسلامية حتى عهد قريب في حمل ذلك الموروث الثقافي في إلحاق المستغربين بالمشروع الاستعماري الغربي. وهو ما نظنه أمر يحتاج لمراجعة.

أنا لا أنوي إجراء تحليل منهجي صارم للسيرة النبوية وأصول الدين في هذا الصدد، لكني أفتح الباب لأية محاولة جادة للمراجعة والتأمل، لكن السيرة لم تجعل أبدا من العقيدة معيارا للإقصاء. وليتأمل المتأمل نص وثيقة المدينة، وليزيد تأملا آية عدم الإكراه، وليزيد تأملا بالتمعن في أثر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي. إن حادث رهن الدرع ليس سوى رسالة تشريعية. فالرسول كان يمكنه أن يأتي بما يريد من مال من صحابته أو بيت مال المسلمين، لكنه أبى إلا أن يترك لنا هذه الرسالة. ولا تخفى على القارئ الفطن خصوصية رهن الدرع عند اليهودي، فقبائل اليهود صاحبة وقائع محاربة المسلمين ي ثلاث مواقع حرجة؛ كانت أشدها غزوة الأحزاب، لكن هذا لم يؤثر في الموقف النبوي من الآخر وحقوقه حتى ولو كان معاديا.

كان معيار الإقصاء مدنيا إذا في فكر الرسول ولم يكن عقديا. كان معيار الإقصاء مدنيا يطال مسلمين ويطال يهودا؛ وكان داعي الإقصاء مدنيا يعزى إلى تهديد أمن الجماعة البشرية التي كانت تسكن المدينة. هذه الجماعة البشرية التي كانت تسكن المدينة لم تكن جماعة مسلمة، بدليل رهن الدرع عند يهودي. بل أزيد على ذلك أن واقعة فتح مكة نزلت بها آية تشدد على عدم إقصاء الكافر. فحادثة أخذ علي بن أبي طالب مفاتيح الكعبة من عثمان بن مظعون تبعها قول الله تعالى "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها"، وكان أهل الأمانة في هذه الآية هو القرشي الكافر عثمان بن مظعون الذي لم يكن قد أسلم آنذاك. وكان معيار دخوله في عهد الأمان وعدم الإقصاء هو أمانته التي أداها وهو كافر في حادث إخراج أمي: أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها من مكة، والحادثة معروفة لكل قارئ.

من المهم أن تستوعب الحركة الإسلامية هذا المعيار، وأن تراجع أدبياتها في إطاره، وحتى تلك الجماعات الوسطية التي لا تقصي الآخر بسبب عقيدته نجدها بحاجة إلى أن تؤكد على الأساس المدني للإقصاء، وأن تنافح عن المعيار المدني للإقصاء، وأن تعلن رفضها القاطع والمنهجي للإقصاء على أساس عقدي، وأرشح أن تكون مصلحة الجماعة الوطنية هي المعيار الأساسي للمحاباة والإقصاء، والمصلحة العامة يعرف الجميع أنها مصدر من مصادر التشريع الإسلامي. من الضروري ألا نعاود قياس مفهومي المحاباة والإقصاء على مفهومي الولاء والبراء؛ فكلاهما من طبيعة مختلفة. ومن الضروري ألا تحاول بعض القوى إشعار البعض الآخر بالاغتراب الوطني، فهذا مما يعطل اقتراب الأفق.

 

رؤية في ترشيد الإقصاء

هناك مقولة أعجبتني للكاتب الأستاذ سيد يوسف، حيث سبق أن كتب بموقع الحوار المتمدن يقول: "يتجمع أفراد الثقافة الإقصائية على شكل شلل فكرية؛ تتجادل وفق ثقافة التخوين والاستعداء والتشويه والإقصاء؛ مما يعزز من مساحة الاختلاف الإقصائي بديلا عن الاختلاف الإثرائي الضروري الذي يحتاجه المجتمع لإثراء البيئة الثقافية بالتنوع في الطرح الفكري اللازم لمناقشة القضايا الاجتماعية المختلفة".

ومصدر الاعتزاز بهذه المقولة أنها أردفت طرح الإقصاء الرشيد والإقصاء المريض بتقسيم طيب لأنواع الاختلاف بين اختلاف إثرائي واختلاف إقصائي. أو بين اختلاف إيجابي وآخر سلبي. فهناك اختلاف يؤدي لبروز رؤى واجتهادات جديدة وتجديدية، وهناك اختلاف يقمع الآراء العميقة ويكبت الآراء البناءة. النوع الأول من الاختلاف: أو الاختلاف الإيجابي اعتبره الله تعالى مصدرا لتعزيز الإيمان به والتدليل على حكمته، والنوع الثاني: الاختلاف السلبي اعتبره الله شقا لتعاضد الصفوف الاجتماعية كذلك الذي اقترفه اليهود ضد وثيقة المدينة حين تحالفوا مع العدو الخارجي في موقعة الأحزاب.

القصد من وراء هذا أن الاختلاف سنة الله في عباده، وليس المطلوب أبدا محاربتها، بل تعزيزها والحرص على استمرارية قوامة مجراها لتستمر في طريقها الطبيعي ذي الإيجابية، والثراء.

كنا قد طرحنا من قبل تساؤلات حول موقع معايير التمييز بين الإقصاء المريض والإقصاء الرشيد على متصل الذاتية والموضوعية فيما يتعلق بكل اتجاه فكري؟ وهل هناك من وسيلة لبناء معيار موضوعي للتمييز بين نوعي الإقصاء هذين؟

ومع الشبهة التي تلبست بمصطلح الموضوعية يمكنني الإشارة إلى أن بدائل بناء الحالة القيمية الموضوعية ليست فقط من خلال التمركز حول الموضوع. بل يمكن بناء رؤية قيمية موضوعية استنادا للتفاوض حولها والتعاقد عليها، والخلوص بالمنتج التفاوضي التعاقدي لحالة من الوفاق الاجتماعي الصلب. إن شيوع الروح الإقصائية جعلت الجميع يفقدون الثقة في مفهوم الوطن، باستثناء بعض النخب المتميزة. وضعف الثقة هذا ولد حالة هشاشة في بنية المجال الاجتماعي العام. وهو ما نريد استرداده؛ لتسترد أوطاننا عافيتها.

عمرو خالد.. جيل حركي بمهام جديدة

(2007/5/27 - 01:42)
بقلم وسام فؤاد
وسام فؤاد

تابعت الخلاف الذي نشب بين الأخين الفاضلين أ. حسام تمام وأ. مصطفى عاشور في أعقاب حوار عمرو خالد الذي نشرته صحيفة المصري اليوم في عدد الاثنين 21 مايو 2007، وهو الحوار الذي جرى تسجيله إثر اختيار مجلة التايم الداعية عمرو خالد ضمن أكثر مائة شخصية تأثيرا في العالم، ثم رحلة أ. عمرو خالد إلي أمريكا لحضور حفل المجلة لتكريم الشخصيات المختارة.

وبقدر ما أعرف وثاقة صلة الطرفين: مصطفى وحسام، بقدر ما استنتجت أهمية السجال بينهما؛ سواء أهميته لكليهما أو أهميته لأمتنا أو أهميته للأستاذ عمرو خالد نفسه. خاصة وأني أيضا – كما أ. حسام تمام – اهتممت بظاهرة الدعاة الجدد لفترة ليست باليسيرة، ولي فيها أدبيات منشورة وغير منشورة تجعلني أسمح لنفسي بالخوض في هذا الحدث وما أعقبه من سجال بروح المتفق مع الطرفين والمختلف معهما في آن، بحكم رؤيتي المختلفة عنهما للظاهرة: ظاهرة الدعاة الجدد.


دبلوماسية الدعوة.. الجيل الرابع

الحقيقة أني عندما تصديت لظاهرة الدعاة الجدد وجدت كثيرا مما يجمع عمرو خالد بأترابه من الدعاة الجدد من سمات الشبابية والعملية والتركيز على التخصص. وبقدر ما نقدت دراسة الدكتور باتريك هاني حول عمرو خالد بسبب رؤيتي لمنهجه الذي يؤدي عمليا لاختزال ظاهرة الدعاة الجدد في شخص عمرو خالد فقط، بقدر ما أميل في نهاية المطاف لتمييز عمرو خالد ضمن دائرة الدعاة الجدد، أو لتمييزه خارج دائرة الدعاة الجدد لما تفرد به عمرو خالد من خصائص سنقص أبرزها فيما يلي.

كنت في البداية في حيرة من وضع معيار لتصنيف الدعاة الجدد مع بداية الاهتمام بهذه الظاهرة، واعتمدت معيار جدة الخطاب؛ فوجدت الدعاة مختلفين من نواح متعددة، ولم يكن يجمعهم سوى الحالة الهوليوودية التي كانوا يعيشونها. ثم طورت معيار الإدراك والتصنيف مع بدء اتضاح خطاب التنمية البشرية لدى شريحة من هؤلاء الدعاة الجدد، وبدا لي أن النجومية ظاهرة دعوية عامة اليوم مع انتشار الإعلام التليفزيوني الفضائي، وأن سر تميز الدعاة الجدد الحقيقي هو اهتمامهم بخطاب التنمية البشرية. ومع هذا أصر عمرو خالد على التفرد باتجاه وحده. وأنا لا أنزعج من هذا التفرد كباحث؛ إذ بغيتي التعرف على ما يجري كما هو؛ لا كما أريد له أن يكون من خلال تنظيراتي البحثية.

كنت قد رصدت من قبل في حوار مع المهندس فاضل سليمان ما أسميته بالجيل الرابع من المنظمات الدعوية، ورؤيتي أن الجيل الأول من الحركة الإسلامية في العصر الحديث كان جيلا ذا هدف ثقافي إحيائي، ثم تطورت الحركة الإسلامية – بخاصة في مصر – في اتجاهين؛ أولهما مثل الجيل الثاني من تنظيمات الحركة الإسلامية، وكان اتجاه الدعوة اتجاها سياسيا كانت فاتحته حركة الإخوان المسلمين، وثانيهما ما اعتبرته يمثل الجيل الثالث من مؤسسات الحركة الإسلامية؛ وتمثل في ذلك الاتجاه الإغاثي الذي أخذ على عاتقه إصلاح السلبيات الاقتصادية الاجتماعية التي خلفتها الحركة الساداتية وما تلاها، وهذه الحركة شاركت فيها تيارات متعددة، منهم الإخوان والجمعية الشرعية وأنصار السنة.. إلخ.

أما ما أسميته بالجيل الرابع من مؤسسات الحركة الإسلامية فكانت تلك التي تباشر الدبلوماسية الدعوية. ومؤسسات الدبلوماسية الدعوية مؤسسات نشأت في أعقاب حادث 11 سبتمبر الأليم، وأخذت على عاتقها القيام بنوع جديد من الدبلوماسية هدفه التعريف بصحيح الإسلام ومحاربة تكريس الصورة السلبية عن هذا الدين، ومنها مؤسسة بريدج التي يترأسها المهندس فاضل سليمان.
وأكثر الملامح بروزا في خطاب عمرو خالد أنه يباشر هذا النوع من الدبلوماسية الآن، لكنه يباشره إلى جانب نمطين آخرين من الدعوة أولهما نمط الوعظ الكلاسيكي، وثانيهما حمل خطاب التنمية البشرية. وهذا التعقيد فيما يتعلق بالحركة التي يباشرها عمرو خالد سبب تميزه وسبب الحيرة لدى كثير من المراقبين في فهم خطابه، وإن كنت أميل في النهاية إلى تضمينه المرحلة الرابعة للدعوة: مرحلة الدبلوماسية الإعلامية، وهذه المرحلة مهمة جدا وخطيرة جدا، ولابد لها من رجال كأمثال عمرو خالد يتصدون لها؛ ولكن.. هل عمرو خالد فعلا مؤهل للتصدي لمثل هذه المهمة؟ أظن أن مقال أ. حسام تمام كانت فكرته الأساسية تدور حول هذه المسألة.

والواقع أن عمرو خالد ضمن هذه المرحلة يتحرك بأسلوب كاريزمي تقليدي يعتمد على شعبيته التي دشنها عبر خطابه الوعظي التقليدي وخطاب التنمية الذي يهتم به، لكنه لا يصلح وحده، بل لا يصلح مطلقا للتحرك على صعيد الدبلوماسية. إن تحرك عمرو خالد على صعيد الدبلوماسية يحتاج لشعبية عمرو خالد الداعية لكي تعطي لتحركه مشروعية من خلال تمثيله الفعلي للظاهرة الإسلامية وقياداتها، لكنها لا تصلح تأسيسا فكريا لهذه الظاهرة. والواقع أن هذا ليس رأيي وحسب. بل هو رأي مجموعة من الخبراء المهتمين برصد الحالة الإسلامية مثل الدكتور عمرو الشوبكي الخبير بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية، ورأي أ. عبد الله السناوي رئيس تحرير صحيفة العربي المصرية، ورأي المهندس أحمد بهاء الدين شعبان أحد أبرز قادة اليسار الجديد في مصر والمهتمين بالحركة الإسلامية.

وأذكر عندما كنت أحاور الأستاذ أنس التكريتي أحد أبرز قيادات الحركة الإسلامية في بريطانيا فحدثني عن تضمين الإسلام ضمن العقد الاجتماعي الغربي، وأدركت مدى تعقيد القضية، قضية مواجهة الحملة على الإسلام في الغرب، وهو ما جعلني أتفق مع طرح أ. حسام تمام الذي ينظر بعين المرتاب لفاعلية مكوكية عمرو خالد وجولاته. فهذه القضية: قضية صورة الإسلام في الغرب تحتاج لفهم الطبيعة التبشيرية للمنظمات الإنجيلية والكاثوليكية بأوروبا وأمريكا وبقية العالم وطبيعة علاقتها بالدعوة الإسلامية، ثم تحتاج لفهم طبائع حركة اليمين العلماني الغربي واتجاهاتها وتأثيرها، وهي حركة يتنامى حضورها الثقافي والسياسي، ثم نحتاج فهم آليات إدارة المشكلات الاجتماعية في الغرب، ثم نبني حركتنا على أساس تصور ثقافي عميق. ولهذا أدعو عمرو خالد إلى أن يركز على هذه المساحة ضمن خريطة قراءاته ودراساته، لكي لا نجد فجأة أن الغرب يستهلك عمرو خالد ويوجهه وجهة لا يدري أبعادها برغم "حسن نيته".

وعندما أرسل لي أ. حسام تمام مقاله المنشور في صحيفة المصريون الإليكترونية لكي أفيده برأيي أوضحت له رؤيتي المتمثلة في أن الأستاذ عمرو خالد يدير العلاقة بين الإسلام والغرب بمنطق الحسابات (باعتباره محاسبا)، ويعتبر سوء الفهم بين العالم الإسلامي والغرب محض مشكلة محاسبية يمكن تسويتها بقيد محاسبي (صورة سلبية فنصححها وانتهى الأمر)؛ والحقيقة خلاف ذلك. الإسلام في الغرب يدخل ضمن حركة اجتماعية يتراوح محلها بين القبول والرفض؛ ولابد لكي نحسن فهمها أن نقترب منها بمنظور العلوم الاجتماعية لا بمنظور علم المحاسبة.

لا شك في أن الهالة الهوليوودية هنا في حالة الداعية المنتمي للجيل الرابع من المراحل الدعوية أمر مهم، بل هي أحد أدواته الرئيسة في أداء مهمته، لكن ما نريد لفت نظر الأخ الفاضل أ. عمرو خالد إليه ضرورة معاودة استحضار النية باستمرار. غير أننا على الصعيد الثاني نتحفظ حيال شق صدر عمرو خالد واتهامه بالرياء، وإن كنت أرى أن أ. حسام تمام لم يفعل هذا بقدر ما أكد على نرجسية عمرو خالد الشديدة، وهو ما لا يخالفه فيه أحد لا أنا ولا أ. مصطفى عاشور؛ فضلا عن كثيرين.


دعوة عمرو خالد.. قضية الجزئية

وإن كنت قد طرحت رأيي بين أ. حسام وأ. مصطفى في قضية فهم أ. عمرو خالد لحركته وأبعادها، فلابد وأن ننصف أ. عمرو في النهاية من زاوية خطابه وواقع الجزئية الذي اتفق عليه كثيرون، تلك الجزئية التي دفعت الأخ والصديق حسام تمام لوصفها بالدعوة الإسلامية مكيفة الهواء، وكان من قبل يدعوها أستاذنا الدكتور صلاح عبد المتعال بنمط التدين اللذيذ؛ لأنه لا يلقي أعباء على معتنقيه ومريديه. ولي حيال هذه المساحة وقفة.

كنا – كإسلاميين - قديما عندما نرى خلافا بين الحركات الإسلامية نقول إن الحركات الإسلامية لا يجب أن تعادي بعضها بعضا، وكنا نرى ذلك لأمرين؛ أولهما لأن تحديات العالم الإسلامي تقضي بأن نرتب أولويات مواجهاتنا بحيث لا تنصب جهودنا في نقد بعضنا البعض بدلا من تطوير خطاباتنا والوصول للناس والتعبير الحقيقي عن آلامهم وآمالهم، وهذا لا ينطبق طبعا على جهود النقد الذاتي الموضوعية التي نحتاجها بشدة في هذه الآونة. ولا زلنا اليوم في واقعيتنا نؤمن بضرورة ترتيب الأولويات هذا.

وثاني دواعي عدم معاداة بعضنا البعض أننا كنا في رومانسيتنا الإسلامية نرى أن الحركات الإسلامية التي يكمل بعضها بعضا حتى وإن اختلفت في عمق خطابها على اختلاف مستوياته. كنا آنذاك نرى السلفية تحرص على تنقية الاجتهادات وتوفير نقد بناء لها في ضوء الشرع، والتبليغ تقوم بدور الدعوة الفطري، والإخوان يقوموا بدور الدعوة بما لها من شمول يطال الشأن السياسي، وكنا نرى في هذا تكاملا ينظمه الله في سنته برغم الاختلافات العميقة بين تراكيب الحركة الإسلامية. بمعنى آخر: كان منطق رومانسيتنا يؤكد أنه ليس ثمة أحد كامل، وأن البعض يسد نقص البعض الآخر. وهذا أيضا مما تبقى لنا حتى اليوم. ولا يخرج عمرو خالد عن هذه الدائرة.

إن إدراك الباحثين غير الإسلاميين للخطابات الإسلامية إدراك أحادي أو بأفضل التصورات هو إدراك موازي بمعنى أن أولئك يتصورون أن كل خطاب متكامل في ذاته، له بعده الدعوي المستقل وبعده الفكري المستقل وبعده الوعظي المستقل وبعده السياسي المستقل، وهذه أيضا مشكلة الباحثين الإسلاميين الذين يرجعون إلى المنهج المغترب في فهم الظاهرة الإسلامية. ولا شك في أن المتدينين الجدد الملتفين حول الدعاة الجدد يتسم تدينهم بطابع الجزئية التي تصل إلى رتبة الإخلال في كثير من الأحيان، ولكن سؤالنا هو: هل نلزم عمرو خالد كشخص بأن يغطي في خطابه الوعظي كل مستويات الخطاب التي يحتاجها أي خطاب إسلامي تجديديا كان أو تقليديا؟ والإجابة هي النفي قطعا.

السؤال الذي يثور لدينا هنا هو: هل خطاب عمرو خالد يمتنع عن التواصل مع الأصول؟ وهل خطاب عمرو خالد يعزف بمريديه عن التواصل مع سائر الخطابات الإسلامية الوسطية؟ وهل يحظر عمرو خالد على أتباعه استكمال القصور في تدينهم؟ والإجابة على كل هذه التساؤلات بالنفي قطعا.

أخيرا، أود أن أوضح أنه قد ساءني إلى حد كبير أن نكون بهذا المستوى من الذبح لبعضنا أثناء إدارة خلافاتنا. وأود أن أوجه عناية إخوتي لضرورة أن يكون نقدهم لبعضهم على ذلك القدر الذي ننزل به من كوننا منتمين لطرح أخلاقي أولا، ومنتمين لنخبة تعرف بعضها وتعرف كيف تداوي جراحاتها فيما بينها أو علنا على الملأ.
التعليقات {0}
للتعليق

معضلة تعديل الدستور المصري وأولويات الأجندة الوطنية

(2007/3/11 - 09:30)
بقلم وسام فؤاد

وسام فؤاد

وأنا أتجول اليوم: الحادي عشر من مارس 2007، جولتي الصحافية قبل بدء مسيرة العمل اليومي، وجدت خبرين بصحيفة المصري اليوم المصرية يتعلقان بالعلاقة ما بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية، وكانت فحوى الخبر الأول أن "وزير العدل يحيل قاضياً إلي مجلس الصلاحية بتهمة إهانة الرئيس تمهيد لفصله". أما الخبر الثاني فكانت فحواه "مبارك يتدخل لعلاج قاضي مجلس الدولة الشاب". وكان المنكر في الخبرين أبلغ من أن أمر به مرور الكرام.
أنا اعلم ابتداء أن ما سأطرحه في السطور التالية يعتبر سباحة ضد كل التيارات، لكن إحساسي بحاجة المسرح المصري العام لبعض التجديد السياسي يجعلني أجازف بالسباحة، فإن غرقت فما ذاك بجديد علي، فأنا سياسي مصري غريق. وسؤالي هو: هل قضية استقلال القضاء أولى أم قضية تعديل الدستور؟ وهل الاهتمام بالثانية لصالح الأولى يعد هدرا لموارد العمل الوطني أم لا؟ قد أكون مخطئا في اجتهادي، لكني كنت ولا زلت مصرا على أن الإدارة المصرية لا تحترم القانون ولا الدستور. فكم من قوانين صنعت وأهملت؟ وكم من دستور كان موجودا ولم تحترم مواده؟ فلم إذا كل هذه الضجة على مادة دستورية لم يحترمها أيا من الرئيسين الذين أقرها أحدهما ولم يحترمها ولم يحترمها الآخر بتاتا وإن فكر في إلغائها؟ فهلا أعدنا طرح سؤال الأولويات؟

قراءة في تطويق القضاء بالخبرين
كان قوام الخبر الثاني أن رئاسة الجمهورية أبلغت المستشار يحيي دكروري رئيس نادي قضاة مجلس الدولة أمس، بقرار الرئيس لحل أزمة القاضي الشاب الذي رفض وزير العدل تحمل نفقات إجرائه عملية جراحية لاستئصال ورم بالمخ في ألمانيا تصل تكاليفها إلي ٤٠ ألف يورو. وعندما يقارن القارئ هذا الخبر بالخبر الأول يجد الملاك الرحيم يحارب الشيطان الرجيم الذي يريد منع القاضي العادل من العلاج. أما الخبر الثاني فهو نموذج آخر للشيطان الرجيم الذي يأمر بإحالة قاض إلى مجلس الصلاحية ليبت في صلاحيته لمباشرة مهام القاضي بدعوى إهانة هذا القاضي للملاك الرحيم الذي ورد في الخبر الثاني!؟
ألعاب لا يصدقها عقل سليمة نواياه مستقيمة أهواؤه، نتساءل معها عن الذي يحدث عقب وقفة القضاء الجادة الشامخة خلال الانتخابات: هل هي محاولة لكسب القاضي الشاب لصالح مسيرة الحكم المنتظر توريثها؟! أم هي محاولة غير مباشرة لتقديم هدنة بين السلطتين إبان الحرب المفتوحة التي قرر النظام أن يخوضها ضد أكبر القوى السياسية في مصر، والتي كانت على وشك تعبئة الشارع كله في هبة اجتماعية سياسية؟ أم هي رغبة في تحييدهم قبل دخول التعديلات الدستورية مراحلها الأخيرة فيما قبل الإقرار؟
من حق السيد رئيس الجمهورية أن يفعل الخير، لكني لا أرى من حقه أن يتزلف للقضاة أو يضحك على أذقانهم. ولا أظن أن مصريا يمكنه في إطار علاقة السلطة القضائية بالسلطة التنفيذية أن ينسى ما كتبه سيادة المستشار يحيى الرفاعي في 2003 في نعيه لاستقلال القضاء، وتوصيفه لكيفيات التحرك لتطويق القضاة ومحاولة تطويعهم، وهو ما حدث لقلة منهم هداهم الله.
لا أنسى كذلك ذلك التقرير الذي أصدره المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة حول: "واقع استقلال القضاء ومهنة المحاماة وإهدار حقوق الإنسان في مصر"، وكفى عارا أن نقرأ أن مثل المكتوب في هذا التقرير يحدث بدولة كمصر. ولا أنسى مقالتي الدكتور محمد سليم العوا في المصري اليوم بعنوان "القضاء إلى أين؟": قراءة في مشروع قانون السلطة القضائية، وتعديلات تبعية التفتيش القضائي لمجلس القضاء الأعلى شكلية والحكومة تعاملت بمبدأ أن ليس في الإمكان أبدع مما هو كائن. ولا أنسى تقرير نادي القضاة المصري حول استفتاء تعديل الدستور يوم 25-5-2005 يوضح أن النسبة الحقيقية للمشاركة كانت ما بين 3-5% وليس 54% كما تدعي الحكومة. كما ولا أنسى نَصُّ شهادة المستشارة نهى الزيني عن التزوير في نتائج دائرة قسم شرطة دمنهور، كما نشرتها صحيفة المصري اليوم يوم الخميس 24-11-2005، كما لا أنسى المواجهة الحادة التي أدارتها السلطة التنفيذية مع القضاة الذي رفضوا بيع ضميرهم وضمير أمتهم. كذلك لم أنس كتاب المستشار طارق البشري: "القضاء المصري.. بين الاستقلال والاحتواء"، ودعوته لتبصر حقيقة وضع القضاء المصري وما يجري له من تدابير تدجين للقضاء على دوره الوطني في الإصلاح.
لم أنس هذه الكتابات كلها، وهي كتابات أصدق عند كل ذي عقل وطني مصري من محاولات الإدارة المصرية الحاكمة غسل صورتها أو تضليل القضاة بمسحة حنان يتم قبلها التنبيه على الوزير المطواع برفض معالجة القاضي الشاب على نفقة الدولة، وهو ما لا يرضاه الأب الحاني فيسارع إلى كل الصحف والمجلات والنشرات والإذاعات والقنوات التليفزيونية معلنا أنه سيعالج القاضي الشاب على نفقة الدولة. واليوم أرى استمرار المحاولات للالتفاف على القضاة مستمرة.. وهنا؛ أعيد طرح سؤال الأولويات.

التعديل الدستوري ودولة القانون
خلال الفترة الماضية قرأت اتجاهات طيبة علمانية إسلامية واتجاهات غير طيبة علمانية وإسلامية حول قضية تعديلات الدستور، بكل موادها، وجل هذه الآراء موضع احترام وتقدير، وشريحة من هذه الآراء موضع استفهام أو اتهام لابد من تقديره واعتباره.
والحقيقة أننا لن نتعاطى مع تلكم الآراء التي نراها موضع شبهة وافتقار للاتزان، بل سنعمد للتعاطي مع تلكم الآراء الوقورة التي أعلت مقام مصلحة الوطن، وسنعرض لتقدير الآراء محل الاتهام في حينه. وسؤالنا للقوى ذات الآراء المعتبرة يتمثل في سبب هذا الاهتمام – المبالغ فيه - بالحالة القانونية الرسمية المؤطرة لحياتنا السياسية. وبداية؛ أظن أن كل من شارك في الكتابة بهذا الصدد يعلم يقينا أن الحياة السياسية المصرية تدور بغير إطار، ولا يحكمها قانون أو حتى شبح قانون، ولا تلجأ الدولة لمثل هذا الإطار القانوني إلا متى كان في مصلحتها هذا. بل إن قوانين عديدة سنت ولم يكن لها مردود، لا عند المعارضة ولا عند الإدارة الحاكمة.
وأصدق حديث في هذا المقام قول الرئيس المصري إبان صدور قانون الصحافة أن الصحافيين ما لم يجترئوا على المحرمات فإن القانون "ينام من نفسه". هي رسالة واضحة. الإدارة المصرية لا تضع قانونا إلا ليكون زيادة في فرصها وتقليلا لخسائرها، وما لم يتخذ الناشطون موقفا يهدد تلكم المكاسب أو يعظم تلكم الخسائر فإن القانون لا قيمة له عند الطرفين. تلك هي حقيقة وضع القانون في مصر بصفة عامة، وباعتباره إطارا للحياة السياسية بصفة خاصة.
الحيثية الثانية التي أنصبها هنا حكما بيني وبين من يستمر في إثارة الفزع المبالغ فيه من جراء تلكم التعديلات أن علماء السياسة هجروا منذ الحرب العالمية الأولى معالجة العلوم السياسية ضمن الإطار الرسمي أو ما يسمى الإطار القانوني للحياة السياسية كمحدد أساسي لدراسة النظم السياسية، وسبقهم في ذلك فقهاء القانون الدولي حين ميزوا في مجال الاعتراف بالدول بين الاعتراف القانوني والاعتراف الواقعي باعتبار أن كثيرا من الدول لا تعترف بغيرها قانونيا لكنها تباشر هذا الاعتراف فعليا. فالإطار القانوني لا يرتبط بطبيعة النظام السياسي ولا يكون دالا في تحليله تحليلا قويما متزنا إلا في حالة احترام القانون. فأين ذلك الاحترام؟ بل أين ذلك القانون المحترم؟
فما سر هذا الولع بمواجهة تعديلات القانون إذا؟ والإجابة عندي أنها تلك المساحة الوحيدة التي أتاحتها الإدارة المصرية لكي تلعب بها المعارضة وتتسلى في لعبتها السياسية.
الناظر إلى المسرح السياسي الحقيقي يجد قائمة من القضايا الحيوية التي إن تجمع المهتمون بمصالح وطننا حولها سيجدها أشد أهمية، وسيجد العمل فيها وحولها جبرا للانكسار السياسي الذي نعيشه. ولن أطرح من بين هذه القائمة قضية العدوان على الفصيل السياسي الهام المتمثل بجماعة الإخوان، ولا غيره من قضايا العراك السياسي ذات المنحى الفصائلي برغم أهمية هذه القضايا وحيويتها، ولكن هنا أطرح قضية كالعدوان على مؤسسات الدولة المصرية نفسها عبر العدوان المستمر الحثيث على مؤسسة القضاء، ومحاولات اختراقها والهيمنة عليها. وسؤالي للنخبة السياسية المصرية هو: لماذا ذلك التهافت على كل ما تلقيه الإدارة من فتات مما يلفت الانتباه بعيدا عن الأجندة الوطنية الحقيقية بأطياف قضاياها المتنوعة بالغة الأهمية؟

السياسة الواقعية المفتقدة
بمنطق السياسة الواقعية، فإن ضمان استقلال مؤسسة القضاء وحمايتها سيجعل من تعديلات الدستور معادلة واهية؛ لا تضيف قوة للإدارة الحاكمة، وستكون تعديلات القوانين أوهى وأوهن. فالقضاء الإداري القوي سيكون مضطلعا بمهام عدم قانونية القرارات المبنية على تجاهل قوانين مستقرة وملبية لمطالب عموم المجتمع. والمحكمة الدستورية العليا القوية ستضطلع بمهام تفسير المواد الدستورية تفسيرا واسعا قد نحترمه، وستقضي وفق هذه التفسيرات على أي قانون يخنق الإرادة الوطنية. كما أن محكمة النقض قد تفسر وقد تمنح سوابق قضائية منصفة للحالة الوطنية العامة. لكنها حال المجتمع السياسي المصري المولع بالسياسة المنضبطة محل الرضا السامي.
بل حتى تلك التعديلات الدستورية المرفوضة من الجميع ستتحلى بإرادة القضاء إن كان قويا مستقلا. لقد جاء في نص مسودة الدستور المزمع: "تتولى لجنة عليا تتمتع بالاستقلال والحيدة الأشراف على الانتخابات على النحو الذي ينظمه القانون". ألا يمكن للجنة كهذه أن يكون قرارها محل مراجعة من قبل القضاء الدستوري أو الإداري. كما أن النص الذي يحظر على المستقلين من الترشح لانتخابات الرئاسة هل يتسم بالجدوى الفعلية؟ ثم إن تجاوز عقبات نظام الانتخاب يحتاج لمؤسسة سياسية أو جماعة سياسية قوية، وجماعة الإخوان نفسها تعلم أنها كسرت رغبة النظام في إقصائها عبر تعديل النظم الانتخابية. ثم إن الحديث عن انتخابات اليوم الواحد وإجراء الانتخابات الماضية على ثلاث مراحل؛ لعدم وجود عدد كاف من القضاة للإشراف على جميع مراكز الاقتراع في وقت متزامن، ومخاطر عدد من القضاة بوظائفهم في انتخابات عام 2005، أليس هذا مدعاة لتوثيق عمل منظمات المجتمع المدني ومنحها الشرعية السياسية الواقعية بل والمشروعية القانونية عبر منحها توكيلات قانونية موثقة أو حتى توكيلات عرفية سياسية.
برأيي أن العملية الاعتراضية بأكملها تتم تحت الخط المنضبط بلا إبداع سياسي حقيقي، وبلا ترجمات ميدانية عملية للإرادات السياسية الوطنية. كنت أنتظر أن تقف المعارضة متهكمة على ما يجري وتجرده من المشروعية القانونية والسياسية أمام العالم أجمع بدون ذلك الحديث الورع خشية مزيد بطش بمن يتعرضون للبطش.
يلحق بما سبق سؤال عن ذلك الاضطراب في الصف الوطني تأسيسا على نوعية القضايا محل الاختيار أو محل التعديل. وهو اضطراب يلحق بسابقه الذي خالط قضية مهمة وحيوية كقضية مهاجمة وزير الثقافة المصري للحجاب. وأنا أتفق مع كل علمائنا ورموزنا الكرام الذين يقدرون أهمية النص على دين الدولة الرسمي باعتباره مصدرا سماويا لإسناد كل ما ورد بالدستور من ثوابت كالمساواة بين المواطنين المسلمين والمسيحيين، وكما عتبت على الإسلاميين من قبل أعتب على العلمانيين هنا: ألم ينكر زعماء مسيحيون ذوو ثقل تأثير حضور تلك المادة الدستورية على أوضاع المسيحيين؟ وهل كان النص يحول دون المساواة بين المسلمين والمسيحيين فعليا أم أن الموقف كان رهن بمزاج الإدارة الحاكمة؟ وهل سيرتاح قادة علمانيي مصر لإلغاء مادة تمس وجدان الغالبية الساحقة من المصريين وهي في نفس الوقت مادة لم تمنع المساواة يوما؟ لكن: ما مساحة النقاش الذي أجراه الإسلاميون والعلمانيون حول هذه المادة وفاعليتها؟ وهل خرجوا بإعلانات سياسية وميثاق عام حولها؟ الإسلاميون لم يقوموا بإثارة حالة حوارية حول القضية، بل مجرد حالة عراك غير ناضجة.
قد يغضب مني العلمانيون بعدما قلته وأنا متمسك به إلى نهاية المطاف. وسيغضب الإسلاميون لو قلت لهم إنهم يهتمون بلافتة الشريعة اهتماما قانونيا أكثر من اللازم برغم أن إسلامية أي طرح اجتهادي قانوني أو سياسي أو مدني؛ بل أي اجتهاد اجتماعي عام يمكن أن يلتزم الشريعة دون وضع اللافتة التي تثير حفيظة الحالة العلمانية. إن الأطر العرفية يمكن أن تمثل مساحة بديلة لحضور اللافتة الإسلامية، وكثيرا ما كان هذا حاضرا في تاريخنا القريب والبعيد. وللأسف فأنا أرى أن هذا أنسب البدائل في مواجهة إدارة سياسية حاكمة عمياء لا تميز بين ما يهدد السلام الاجتماعي وبين ما يهدئه. ولعل تصرفات هذه الإدارة إبان قضية وفاء قسطنطين لا تزال حاضرة بالأذهان.

وسام فؤاد

التعددية.. الواقع الكوني والنهج الإسلامي

(2007/1/8 - 09:30)
بقلم وسام فؤاد

وسام فؤاد

يقع المفكر المسلم بين مصدرين للإرهاب حينما يفكر في ضرورة ترقية العقل العام المسلم للخروج من دائرة تشويه ثقافته العامة حيال قضية التعددية، ومباشرة الترقية من أجل قبول التعددية كجزء أصيل من الثقافة المسلمة.

الإرهاب الأول علماني المصدر يتمثل في ذلك الاتجاه العلماني الفرعي الذي يصر على اعتبار أن الإسلام بنية أحادية ثقافية مغلقة دون استيعاب حقيقة التعدد على صعيدي الفكر والواقع الاجتماعي؛ ويعلل هذا الاتجاه انتفاء التعددية بعلة الجذر التوحيدي لدين الإسلام.

أما الإرهاب الثاني فيأتي من قبالة شريحة من المفكرين الإسلاميين الذين يرون أن القيام بدور تصحيح الحالة الثقافية العامة وتنقيتها من الشوائب الفكرية التي تجذرت في وعيها عبر الإلحاح المخطئ من قبل بعض التيارات الإسلامية اليمينية؛ هذا التصحيح لديهم هو خطاب اعتذاري إلحاقي ينسلخ من أطر الإسلام الحقيقية التي تحدد خصائص المجال العام للحياة من دون تفاصيل ليحاول اللحاق بـ "عار" الحداثة الإسلامية التي لا يرونها إلا محاولة لطلاء المنجز الحضاري الغربي بقشرة من المظاهر الخارجية والقاموسية الإسلامية، ويتناسى هذا الفريق أن التعددية هي أصل إسلامي بحكم عقيدة الإسلام لا بحكم اجتهاد المجتهدين.

تشويه ثقافي بحاجة لمواجهة قوية

يقع الفريق العلماني الذي يرهبنا أولا في مغالطة مزدوجة يرتكب فيها ما يعيبه على الحالة الإسلامية. فهو يرى فيما يسميه الموروث الإسلامي حالة ترفض التعددية، ويقع ضمنا في مغالطتين فرعيتين؛ إذ يقصر رفض التعددية على دين الإسلام وكل ما صدر عنه من اجتهادات؛ وهنا نجد هنا مقامين للرد:

أولهما أن الاتجاه العلماني تجاهل أن الفكر الديمقراطي يستبعد أيضا ويقوم بالإقصاء، وما تجارب المكارثية ورفض الفاشية والنازية إلا مثال بسيط. وأمامنا قضيتا رفض كل من يرفض الهولوكوست ومعاداة السامية كمثال حي. فقضية المحرقة والخاصة بإدعاءات اليهود بأنهم تعرضوا لمحرقة الهولوكوست في ألمانيا حيث تم تصفية ملايين منهم، نجد معها أن أي كاتب حاول أن ينكر هذه المحرقة أو أن يقلل من الأعداد التي أبيدت يتعرض للمحاكمة والحبس. وكذلك الحال فيما يسمى بمعاداة السامية؛ حيث يتم محاكمة أي شخص يهاجم اليهود أو ما تقوم به دولة الكيان الصهيوني من الانتهاكات ضد حقوق الإنسان الفلسطيني.

وثاني مقامي الرد أن الإرهاب العلماني ذاته لا يميز درجات التعــــددية في الفكر الإسلامي، ويقصر المحاسبة على خبرات اليمين الإسلامي الذي قام بتضخيم مفاهيم عقدية أدت لتشويه منظور الاجتهاد الإسلامي للآخر الديني والحضاري والثقافي، بالرغم من أن تضخيم المفاهيم العقدية هذا لم يتم إلا تحت ضغوط سياسية وثقافية حادة وإقصائية مارسها الفريق العلماني في مطلع تجربة ما أسموه بالتنوير العربي.
ونؤكد هنا على أن شريحة واسعة من الحالة العلمانية في فجر التنوير العربي خرجت من عباءة الفكر الإصلاحي التجديدي الذي كانت مدرسة الإمام محمد عبده ترتاده إلى مساحات الهجوم على الإسلام والذي بلغ حد الفحش والبذاءة في لسانية التعاطي معه، وبلغ مقام العبودية للفكر الغربي، حتى يتحدث البعض عن ضرورة تقليد الغرب حتى في قذى أمعائه. وكانت الحركة الاجتهادية المدافعة عن الإسلام مضطرة للتطرف يمينا حتى تتمكن من مواجهة هذا السيل من الهجوم المتحالف مع الدولة لإقصاء الثقافة الإسلامية للمجتمع، وهو ما أضر بالمشروعات النهضوية العربية ضررا لا زلنا حتى اللحظة نعاني تداعياته. وهذا لا يعفينا من الإشارة لوجود اتجاهات تجديدية علمانية احترمت الخلفية الثقافية الإسلامية للشعوب وسعت لتطويرها والتعامل معها في إطار منجزات العقل المعاصر، بصرف النظر عن تقييم بعض الإسلاميين لعموم مثل هذه المناهج.

أما محاولات الاقتراب الإبيستمولوجي للفريق العلماني من الظاهرة الإسلامية فقد وقفت عند حدود مماهاة فلسفية ساذجة بين مفهومي التوحيد والواحدية؛ وغفلت تماما عن الدلالة الإبيستمولوجية الأولى لمفهوم التوحيد؛ والتي مفادها أن هذا المفهوم في بنيته يقتضي ضمنا إسباغ التعددية على كل ما دون الله، وهو رأي معتبر للأستاذ جمال البنا. ولو أردنا مثالا لما يقال في هذا الصدد سنجد الطيب تيزيني في نفس الصدد يؤكد أن "كثيرا من المستشرقين والمفكرين والمثقفين العرب جنحوا إلى القول بأنه الإسلام "دين التوحيد" وهذا أقصى ما يُعرف به ويعرَّف؛ مما يفضي إلى القول بأن مفهوم الحقيقة عنده إن هو إلا تجسيد لتوحيديته، وعلى هذا يصبح محالاً أن ينظر إلى تلك الحقيقة وفق التاريخ الإنساني وشروطه ومقتضياته، لتظل متأبية على هذا التاريخ، ومن ثم ليظهر ما يبدو حقيقاً واقعياً من حيث هو وهم زائف". فلو نظرنا حقا لهذا الطرح المماهي بين التوحيد والواحدية في إطار مفهوم الاجتهاد فلا نكاد نجده صحيحا. . وأعتذر إن قلت إني أجده ساذجا وغير لائق بطرح فكري رصين 

وأما الفريق الثاني: الإسلامي؛ الذي يرهبنا فقد وضع أمامنا عائق يتمثل في تمييزه بين التعدد والتعددية موضحا أن التعددية نظام اجتماعي غربي، وهي تختلف عن مفهوم التعدد الذي هو سنة الله تعالى في خلقه، محاولا أن يضعنا أمام صورة أكثر بهتانا للرؤية الإسلامية التي تحدد حدود رؤية الإسلام للعمل العام، وكأننا نعود خطوات للوراء بدلا من التقدم خطوة للأمام في محاولة معالجة أخطاء فكر خاضه المشروع